فأمرهم حسان بذلك، ففعلوا ثم ساروا، وكان اسم أخت رباح «يمامة» بنت مرة، فأشرفت من منظرها فقالت: يا جديس، لقد سارت إليكم الشجر، قالوا لها: وما ذاك؟ قالت أرى اشجارًا تسير ووراءها شيء، وإني لأرى رجلا من وراء شجرة ينهش كتفًا أو يخصف نعلا، فكذبوها، وكان ذلك كما ذكرت، فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب، ففي ذلك تقول اليمامة لجديس تحذرهم:
إني أرى شجرًا من خلفها بشر ... فكيف تجتمع الأشجار والبشر؟
ثُوروُا بأجمعكم في وجه أولهم ... فإن ذلك منكم فاعلموا ظَفَرُ
وأقبل الملك حسان بحمير، حتى إذا كان من جَوّ على مسيرة ليلة عبأ جيشه ثم صَبَّحها فاستباح أهلها من جديس قتلا، فأفناهم وسبى نساءهم وصبيانهم، وهرب الأسود بن غفار ملكها حتى نزل بدار طيّئ فأجاروه من الملك وغيره، من غير ان يعرفوه، فيذكر أن نسله اليوم في طيّئ مذكور.
فلما فرغ حسان من جديس دعا باليمامة بنت مرة، وكانت امرأة زرقاء، فأمر فنزعت عيناها فإذا في داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك، فقالت: حجر اسود يقال له الإثمد كنت أكتحل به فنشب إلى بصري، وكانت هي أول من اكتحل به، فاتخذوه بعد ذلك كحلا، وأمر الملك باليمامة فصلبت على باب جو، وقال: سموا جوًا باليمامة، فسميت بها إلى اليوم.
مسير وبار بن اميم:
قال المسعودي: ثم سار- بعد طسم بن لاوذ- وبار بن أميم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح بولده ومن تبعه من قومه، فنزل بأرض وَبَارِ بالأرض المعروفة برمل عالج، فأصابهم نقمة من الله فهلكوا لما كان من بغيهم في الأرض، وقد قدمنا