فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 570

روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» . والأدب تأديب الظاهر والباطن، فإذا تهذب ظاهر العبد وباطنه صار صوفيا أديبا، ومن ألزم نفسه آداب السنة نوّر اللّه قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب صلى اللّه عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه والتأدب بآدابه قولا وفعلا وعقدا ونية.

و الإنصاف فيما بين اللّه تعالى وبين العبد في ثلاثة: في الاستعانة والجهد والأدب، فمن العبد الاستعانة، ومن اللّه الإعانة على التوبة، ومن العبد الجهد، ومن اللّه التوفيق، ومن العبد الأدب، ومن اللّه الكرامة.

و من تأدب بآداب الصالحين، فإنه يصلح لبساط الكرامة، وبآداب الأولياء لبساط القربة، وبآداب الصديقين لبساط المشاهدة، وبآداب الأنبياء لبساط الأنس والانبساط، ومن حرم الأدب حرم جوامع الخيرات، ومن لم تريضه أوامر المشايخ وتأديباتهم، فإنه لا يتأدب بكتاب ولا سنة، ومن لم يقم بآداب أهل البداية كيف يستقيم له دعوى مقامات أهل النهاية. ومن لم يعرف اللّه عزّ وجلّ لم يقبل عليه، ومن لم يتأدب بأمره ونهيه كان عن الأدب في عزلة. وآداب الخدمة الفناء عن رؤيتها مع المبالغة فيها برؤية مجريها. العبد يصل بطاعته إلى الجنة وبأدبه الى اللّه تعالى، والتوحيد موجب يوجب الإيمان فمن لا إيمان له لا توحيد له والإيمان موجب يوجب الشريعة فمن لا شريعة له لا إيمان له ولا توحيد له، والشريعة موجب يوجب الأدب فمن لا أدب له فلا شريعة له ولا إيمان له ولا توحيد له، وترك الأدب موجب يوجب الطرد، فمن أساء الأدب على البساط رد الى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رد الى سياسة الدواب، وأنفع الآداب التفقه في الدين والزهد في الدنيا والمعرفة بما للّه عليك وإذا ترك العارف أدبه مع معروفة فقد هلك مع الهالكين.

و قيل: ثلاث خصال ليس معهن غربة: مجانبة أهل الريب، وحسن الأدب، وكف الأذى، وأهل الدين أكثر آدابهم في تهذيب النفوس، وتأديب الجوارح، وحفظ الحدود، وترك الشهوات، وأهل الخصوصية أكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات الى الخواطر، وحسن الأدب في مواقف الطلب، وإدمان الحضور، ومن قهر نفسه بالأدب فهو الذي يعبد اللّه بالإخلاص. وقيل: هو معرفة اليقين. وقيل: يقول الحق سبحانه: من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب، ومن أراد الكشف عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب، فاختر أيهما شئت: الأدب أو العطب؟ ومن لم يتأدب للوقت فوقته مقت، وإذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء.

و حكي عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: دخلت مكة فربما كنت أقعد بحذاء الكعبة وربما كنت أستلقي وأمد رجلي فجاءتني عائشة المكية فقالت لي: يا أبا عبيد: يقال إنك من أهل العلم اقبل مني كلمة لا تجالسه إلا بالأدب وإلا فيمحى اسمك من ديوان أهل القرب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت