فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 570

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

اجتمعت أصناف الطيور على اختلاف أنواعها وتباين طباعها، وزعمت أنه لا بدّ لها من ملك: واتفقوا أنه لا يصلح لهذا الشأن إلا العنقاء وقد وجدوا الخبر عن استيطانها في مواطن الغرب وتقررها في بعض الجزائر فجمعتهم داعية الشوق وهمة الطلب فصمموا العزم على النهوض إليها، والاستظلال بظلها، والمثول بفنائها، والاستسعاد بخدمتها، فتناشدوا وقالوا:

قوموا إلى الدّار من ليلى نحييها ... نعم ونسألهم عن بعض أهليها

و إذا الأشواق الكامنة قد برزت من كمين القلوب وزعمت بلسان الطلب، بأي نواحي الأرض أبغي وصالكم، وأنتم ملوك ما لمقصدهم نحو.

و إذا هم بمنادي الغيب ينادي من وراء الحجب: ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] .

لازموا أماكنكم ولا تفارقوا مساكنكم، فإنكم إن فارقتم أوطانكم، ضاعفتهم أشجانكم، فدونكم والتعرض للبلاء والتحلل بالفناء:

إن السلامة من سعدى وجارتها ... أن لا تحل على حال بواديها

فلما سمعوا نداء التعذر من جناب الجبروت ما ازدادوا إلا شوقا وقلقا وتحيرا وأرقا، وقالوا من عند آخرهم:

و لو داواك كلّ طبيب إنس ... بغير كلام ليلى ما شفاكا

و زعموا:

إنّ المحبّ الّذي لا شيء يقنعه ... أو يستقرّ ومن يهوى به الدار

ثم نادى لهم الحنين، ودب فيهم الجنون، فلم يتلعثموا في الطلب اهتزازا منهم إلى بلوغ الأرب.

فقيل لهم: بين أيديكم المهامة الفيح والجبال الشاهقة والبحار المغرقة وأماكن القر ومساكن الحر، فيوشك أن تعجزوا دون بلوغ الأمنية فتخترمكم المنية، فالأحرى بكم مساكنة أوكار الأوطار قبل أن يستدرجكم الطمع، وإذا هم لا يصغون إلى هذا القول، ولا يبالون، بل رحلوا وهم يقولون:

فريد عن الخلّان في كلّ بلدة ... إذا عظم المطلوب قلّ المساعد

فامتطى كل منهم مطية الهمة قد ألجمها بلجام الشوق وقوّمها بقوام العشق وهو يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت