فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 443

المبْحَث الثّاني نبذة عن نشأة، وتطوّر تأليف الفوائد الحديثيّة، وتصنيفها

هيّأ الله عزّ وجلّ لحفظ سُنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم رجالًا أفذاذًا، لدينه أمنةً وحرّاسا، طلبوها في الآفاق، وكتبوها، وحرّروا ألفاظها وضبطوها، وبذلوا في ذلك كلّ غال ونفيس، يأخذ المتأخّر منهم عن المتقدم أدبه، وسمته، وعلمه، وحرصه على حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ..

وإذا رأى الواحد منهم أنّه قد أكثر من الرواية عن شيوخه وحصّل ما عندهم، أو أنّه لا يحتاج أن يروي عن شيخ منهم كلّ ما عنده؛ لتحمّله له عن أقران شيخه أو نحو ذلك، أو لرواية شيخه عن ضعفاء ومجاهيل أو لمراسيل ومقاطيع، أو تعسّر عليه سماع كلّ ما عند شيخه لأمر ما، احتاج إلى الانتقاء على شيخه، ورواية ما حصّله ذلك الشّيخ عمّن أخذ منهم من القدماء والعلماء الغرباء ممّا يَرَى أنّ فيه فائدة له؛ فظهرت كتب الفوائد الحديثيّة المنتقاة على الشّيوخ.

والتأليف فيها نشأ في وقت مبكّر في أوساط المحدّثين ... فهذا اللّيث بن سعد الفهميّ (ت: 175هـ) [1] يُخَرِّج كتابا في الفوائد أودعه خمسة أحاديث، وأثرًا واحدًا في آخره، وكلّها من طريق شيخه خالد بن يزيد الجمحيّ، المصريّ.

وهذا الكتاب الوحيد الّذي وقفت على أنّه أُلّف في الفوائد إلى نهاية القرن الثّاني الهجريّ، وفي حدّ علمي أنّ هذا الكتاب أوّل كتاب ألّف في الفوائد مما وقفت عليه منها والله تعالى أعلم.

ثمّ جاء القرن الثّالث الهجريّ، فألّف في الفوائد: داود بن عمرو الضّبّيّ (ت: 228هـ) [2] ، ويحيى بن معين (ت: 233هـ) [3] ، وهنّاد بن السّريّ الصّغير (ت: 243هـ) [4] ، وهشام بن عمّار (ت: 245هـ) [5] ، وغيرهم.

ونشط التأليف نسبيّا في النّصف الثّاني من هذا القرن، فألّف في الفوائد جماعة: كالبخاريّ (ت: 256هـ) [6] ، وسمّويه (ت: 267هـ) [7] ، وحنبل بن إسحاق (ت: 273هـ) [8] ،وأبو زرعة الدّمشقيّ (ت: 281هـ) [9] ، وابن أبي الدّنيا (ت: 283هـ) [10] وجماعة آخرين.

وبدأ في هذه الفترة ظهور الاعتناء بشكل أكثر، وأبرز بكتب الفوائد حيث نجد أنّ جماعة ممّن الّف رتّبوا كتبهم على الشّيوخ إلاّ أنّهم لم يراعوا في ترتيبها تسلسل حروف المعجم، ومنهم:

أبو شعيب الحرّانيّ (ت: 295هـ) [11] ، وابن علّويه القطّان (ت: 298هـ) [12] في فوائدهما.

وبلغ عدد كتب الفوائد المؤلّفة في هذه الفترة - ممّا علمتُ: واحدًا وأربعين كتابا، وقفت على عشرة منها، ثمثّل ما مقداره: 5.52 % من مجموع ما وقفت عليه من كتب الفوائد [13] .

ثمّ جاء القرن الرّابع، وازدهرت فيه العلوم الإسلاميّة عموما، وعلم الحديث خصوصا، فكثر فيه التّأليف، والتّصنيف لاسيّما أنّ الأحاديث النّبويّة قد دُوّنت في أمّهات كتبها من الصّحاح، والسّنن، والمسانيد، وغيرها فاتّجه بعض أهل العلم وطلاّبه بجانب روايتهم لكتب الحديث إلى الانتخاب على الشّيوخ، والانتقاء من مرويّاتهم، وممّا وقع لهم روايته من الكتب سواء أكان ذلك بالقراءة، أم السّماع، أم الأجازة ... وممّن الّف في الفوائد خلال هذا القرن: أبو بكر البرديجيّ (ت:

(1) انظر ص/231 رقم/94.

(2) انظر ص/249 رقم/22.

(3) انظر ص/246 رقم/118.

(4) انظر ص/294 رقم/25.

(5) انظر ص/295 رقم/26.

(6) انظر ص/296 رقم/30.

(7) انظر ص/247 رقم/119.

(8) انظر ص/286 رقم/1.

(9) انظر ص/247 رقم/120.

(10) انظر ص/300 رقم/44.

(11) انظر ص/235 رقم/100.

(12) انظر ص/234 رقم/97.

(13) لا تدخل الكتب الّتي لم أقف على سنة وفاة مؤلفيها، أو تحديد قرونهم الّتي عاشوا فيها في هذه الإحصائيّة، وغيرها ممّا سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت