فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 443

رواية الكتب المشهورة في الحديث، أو غيره من الفنون بالأجازة، لا بالقراءة أو السماع - في الغالب - وقلَّ الاهتمام بسماع المؤلّفات المسندة، ومنها: الأجزاء، والأمالي، والمجالس، والفوائد الحديثيّة، وغيرها.

وبعد عودة جيّدة للاهتمام بكتب التّراث الإسلاميّ في بقاع مختلفة من العالم الإسلاميّ، ومع ما وفّرته هذه الدّولة من جامعات إسلاميّة، ومكتبات عامرة بكنوز التّراث الإسلاميّ الّذي جُلب من بقاع شتّى، وفتح مجال الدّراسات العليا أمام طلاّب العلم، وتشجيعهم، وحفزهم على التّأليف، والتّحقيق؛ نظر أهل العلم وطلاّبُه في (كتب الفوائد الحديثيّة) وحاول عدد منهم تعريفها بما يتبادر إلى ذهنه من خلال قراءته، واطّلاعه عليها، وما يلحظه على أحاديثها ...

وأوّل تعريف وقفت عليه عند أهل العلم: تعريف الكتّانيّ (ت: 1345هـ) في (الرّسالة المستطرفة) [1] حيث قال في تعريفه للأجزاء:"والجزء عندهم: تأليف الأحاديث المرويّة عن رجل واحد من الصّحابة، أو من بعدهم، وقد يختارون من المطالب المذكورة في صفة الجامع مطلبا جزئيا يصنّفون فيه مبسوطا، وفوائد حديثية أيضا ووحِدَانيات، وثنائيّات إلى العشاريات وأربعونيات، وثمانونيّات، والمئة، والمائتان، وما أشبه ذلك"اهـ ... فجعل كتب الفوائد داخلة في الأجزاء الحديثيّة المؤلّفة في مطلب جزئيّ معيّن [2] .

وأفاد الدّكتور: عبد الموجود محمَّد عبد اللّطيف من كلام الكتّانيّ هذا، فقال معرّفا لكتب الفوائد:"هي: المصادر الّتي يختار أصحابها مطلبا من المطالب المذكورة في صفة الجامع يصنّفون فيه فوائد حديثيّة، وتوجد فيها الأحاديث بأسانيد مؤلّفيها" [3] اهـ.

وقريب منه تعريف الدّكتور: محمَّد محمود بكّار في كتابه: (علم تخريج الأحاديث) [4] .

وقال الشّيخ عبد الرّحمن المعلّميّ (ت: 1386هـ) في تحقيقه (للفوائد المجموعة) للشّوكانيّ [5] وقد ذكر حديثا رواه: إسماعيل بن الفضل في فوائده:"وإخراجه هذا الخبر في فوائده معناه: أنّه كان يَرى أنّه لا يوجد عند غيره، فإنّ هذا هو معنى الفوائد في اصطلاحهم"اهـ .. فَحَصَر التّعريف بتفرّد الشّيخ بالرّواية في نظره [6] .

ونقل فضيلة الشّيخ: بكر أبو زيد في التّأصيل [7] ، وخالد السّبيت في مقدّمة تحقيقه لفوائد يحيى بن معين [8] تعريفه هذا تعريفا ارتضياه لكتب الفوائد.

ونقله أيضا الشّيخ: عبد الله بن عتيق المُطَرِّفيّ في مقدّمة تحقيقه لفوائد الحنّائيّ، وقال [9] :"وما قاله رحمه الله لا يتَّفق وَواقع الفوائد"اهـ! وسكت.

وخلص في آخر المبحث [10] الّذي عقده لتعريف كتب الفوائد إلى أنها: (ما انتُقي من الأصول لغرض مخصوص"اهـ."

وما ذكره العلاّمة المعلّميّ رحمه الله ووافقه عليه الشّيخ بكر أبو زيد، وغيره له وجهه، وتؤيّده عدّة أدلّة ... منها:

أوّلًا: ما ذكره الخطيب في: (تأريخه) [11] قال:"وأخبرني الحسن ابن محمّد: قال أنبأنا محمّد بن أبي بكر قال: سمعت أبا القاسم منصور ابن إسحاق الأسديّ يقول: سمعت أبا محمَّد عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم الزّاغونيّ يقول: سمعت يوسف بن موسى المروروذيّ يقول: كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديا ينادي: يا أهل العلم! لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريّ ..."وذكر أنّهم طلبوا منه أن يعقد لهم مجلس إملاء، ولَمَّا جلس لهم قال:"يا أهل البصرة، أنا شابّ، وقد سألتموني أن أحدّثكم، وسأحدّثكم بأحاديث عن أهل بلدكم:- تستفيدون الكُلّ ...".

قال: فتعجّب النّاس من قوله، فأخذ في الإملاء، فقال:"نبأنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد العتكيّ ببلدكم قال: حدّثني أبي عن شعبة عن منصور وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالك ..."فذكر حديثا، ثمّ قال:"هذا ليس عندكم عن منصور، إنّما هو عندكم عن غير منصور".

قال يوسف بن موسى:"فأملى عليهم مجلسا من هذا النّسق، يقول في كلّ حديث: روى فلان هذا الحديث عندكم كذا، فأمّا من رواية فلان يعني: الّتي يسوقها فليست عندكم" [12] . اهـ

ثانيًا: وقال الخطيب أيضًا [13] :"قال [يعني: إسماعيل بن إسحاق القاضيّ] : وقلت له [أي: لعليّ بن المدينيّ] : قد كتبتُ حديث الأعمش وكنتُ عند نفسي أنّي قد بلغتُ فيها فقلتُ: ومن يفيدنا عن الأعمش؟!"

قال: فقال لي: من يفيدك عن الأعمش؟! قلتُ: نعم! قال: فأطرق، ثمّ ذكر ثلاثين حديثا، ليست عندي ..."."

ثالثًا: وَذكر عقب ما تقدّم من طريق أخرى أنّ عليًّا قال:"قدمتُ الكوفة، فعنيت بحديث الأعمش فجمعته، فلمّا قدمتُ البصرة لقيت عبد الرّحمن، فسلّمت عليه، فقال: هاتِ يا عليّ ما عندك. فقلت: ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئا. قال: فغضب، فقال: هذا كلام أهل العلم! ومن يضبط العلم! ومن يحيط به؟ مثلك يتكلّم بهذا، أمعك شيء يكتب فيه؟ قلتُ: نعم. قلت: ذاكرني فلعلّه عندي. قال: اكتب لستُ أُملي عليك إلاّ ما ليس عندك. قال: فأملى عليّ ثلاثين حديثا لم أسمع منها حديثا"الخ.

رابعًا: وقال أيضا [14] :"قال أبو يحيى الزّعفرانيّ: سمعت أبا حفص عمر بن مدرك القاص يقول في قصصه في دار مقاتل: حدّثنا أبو إسحاق الطّالقانيّ: حدّثنا ابن المبارك عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: {إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأسٍ كانَ مِزَاجُهَا كافُورًَا} [15] في قصّة طويلة. فكتبته، ثمّ أتيته من الغد، فدفعته إليه، فقال: من يروي هذا؟ ما أحسنه! ما طنّ على أُذني مِمّن يفيدني. فاستحييت أن أقول له: أنت حدّثتني بالأمس".

خامسًا: وقال الخطيب في: (اقتضاء العلم العمل) [16] :"أخبرنا عليّ بن القاسم: ثنا عليّ بن إسحاق قال: قرئ على المفضّل ابن محمَّد بن إبراهيم: ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت الفضيل يقول:"لو طلبت منّي الدّنانير كان أيسر إليّ من أن تطلب الأحاديث. فقلت له: لو حدّثتني بأحاديث فوائد ليست عندي كان أحبّ إليّ من أن تَهَبَ لي عددها دنانير ..."الخبر."

سادسًا: وقال يوسف بن محمَّد بن مسعود مخرّج فوائد أبي عبدالله الورّاق في مقدّمة فوائده [17] :".. فإنّي وقفت على إجازة بيد شيخنا (محمَّد بن عبد العزيز الورّاق) .. فيها أسماء جماعة من المشايخ الصّلحاء قد أجازوا فيها ... فأحببت أن أُخرّج عن كل شيخ منهم شيئا من مرويّاته؛ لتحصل فائدة هذه الإجازة المباركة لمن تصل إليهم ..."اهـ، فجعل وصول هذه الرّوايات من طريق شيخه فائدة لمن وصلت إليه.

والنّقل عن أهل العلم كثير في هذا الجانب [18] .

وواقع فوائد المهروانيّ من أقرب الأدلّة على ما نصّ عليه من تقدّم ذكرهم، فلم أقف على أنّ المخرّج الخطيب البغداديّ قد روى خارجها أيّ حديث من أحاديثها عن شيوخه أنفسهم، بل أجده يرويها عن غير شيخه الّذي انتقى الحديث عنه هنا، إلاّ حديثا واحدًا [19] لعلّه وهم فيه، أو

(1) (ص/86) .

(2) وانظر مقدّمة: محمّد عايض في تحقيقه لحديث الفاكهيّ عن ابن أبي مَسَرَّة (ص/74) .

(3) كشف اللّثام (1/ 167) .

(4) (ص/205) .

(5) (ص/416) .

(6) وانظر ص/159.

(7) (ص/117) .

(8) (ص/61) ، وانظر: (ص/ 62 - 63) .

(9) (ص/55) .

(10) (ص/57 - 58) .

(12) وانظر: هدي السّاريّ (ص/ 511) .

(13) انظر: (10/ 245) .

(14) انظر: (11/ 212) .

(15) سورة: الإنسان، الآية: (5) .

(16) (ص/82) رقم/128.

(17) انظر ص/251 رقم/114.

(18) انظر: فوائد يحيى بن معين (ص/155) ، والمستدرك (3/ 352) ، وتأريخ بغداد (3/ 417 - 418، 8/ 72، 14/ 179) ، والجامع (2/ 219 - 220) ، والحطّة (ص/ 69 - 70) ، وغيرها.

(19) وهو الحديث ذو الرّقم: 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت