فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 443

دليل ظاهر على قُوّة الحركة العلميّة، وضخامتها في تلك الفترة تفيّأ المسلمون ظلالها قديما وحديثا، وإلى أن يشاء الله ربّ العالمين.

3)من النّاحية الدّينيّة:

تزامن في هذه الحِقبة من الزّمن وجود طوائف أخرى غير أهل السّنّة والجماعة من أهل البدع، والأهواء، المنحرفين في فهم العقيدة الإسلاميّة عن فهم السّلف الصّالح من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن تبعهم، وسار على هديهم بإحسان؛ فنهجوا نهجا خاطئا أدّى إلى تفرّق الأمّة إلى شيع، وأحزاب متناحرة ...

فقد وقعت عدّة مصادمات، ومجابهات بين أهل السّنّة والجماعة من جهة، والرّافضة من جهة أخرى، يُقتّل فيها أُناس، وتُحرق دور، ومتاجر في بغداد، وواسط، وغيرهما.

وفي سنة: (382?) استولى أبو الحسن بن المعلم الكوكبيّ على أمور السُّلطان بهاء الدّولة كلها، فمنع الرّافضة من عمل المأتم يوم عاشوراء الّذي كان يُعمل من نحو ثلاثين سنة، إلاّ أنّه قويت شوكتهم في آخر هذا العقد لتسلّط البويهيّين الشّيعة على الخليفة في بغداد، فتمادوا في غيّهم بعمل مأتم عاشوراء باللَطم، والعويل، ونصب القباب، وعمل الزِّينة، وشعار الأعياد يوم الغدير.

وعمدت جهلة أهل السّنّة، وأحدثوا في مقابل يوم الغدير [1] : يوم الغار، وجعلوه بعد ثمانية أيّام من يوم الغدير، وهو السّادس والعشرون من ذي الحجّة، وزعموا أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر اختفيا حينئذ في الغار، وهذا جهل وغلط، ومقابلة للبدعة ببدعة أُخرى.

وجعلوا بإزاء عاشوراء، وبعده بثمانية أيّام أيضا يوم مصرع مصعب بن الزّبير، وزاروا قبره يومئذ، وبكوا عليه، ونظَّروه بالحسين نعوذ بالله من الجهل، والفتن وداموا على هذا العمل القبيح عشر سنين!

ولمّا كانت ولاية الخليفة القادر بالله (ت: 422?) وكان صاحب سُنّة قمع المعتزلة، والرّافضة، وأخذ خطوطهم بالتّوبة، وأرسل إلى بعض الآفاق ببثّ السُّنّة فيها، وأمر بلعن المعتزلة، والرّافضة، والجهميّة، وغيرهم من الضُّلاّل على المنابر.

وسبق [2] أنّ له مصنّفا أودعه بعض كلام أهل العلم، وردودهم على المعتزلة، والرّافضة، وأمر بقراءته على النّاس في أيّام الجُمع.

ومع بداية القرن الخامس قوي أمر الحاكم (أحد خلفاء الباطنيّة في مصر) ودُعي إليه بالموصل، والمدائن، وغيرهما، وحدثت عدّة مناوشات بين أهل السُّنَّة والجماعة من جهة، والباطنيّة من جهة أخرى في أطراف الشّأم والحرمين خصوصا بعد أن قام بعض الباطنيّة بضرب الحجر الأسود بآلة معه، وأراد هدم البيت، فقُتل في الحال، وقُتل جماعة ممّن اتّهم بمعاونته، واختبط الوفد المصريّ الّذي قدم معه، ومال النّاس على رَكْبِهم بالنّهب، والإيذاء، والضّرب.

4)من النّاحية الاقتصاديّة:

أدّى ضعف الدّولة العبّاسيّة آنذاك، وكَثْرَةُ الفتن، والقلاقل والاضطّرابات، وتسلّط العيّارين، والشُّطّار على العامّة، وما صاحب ذلك من القحط الشّديد الّذي أضرّ بعدّة جهات في الدّولة الإسلاميّة، وفيضانات غرقت بغداد، والبصرة، والأُبلَّة بسببها عدّة مرّات، وذهب من جرّائها كثير من أموال المسلمين وممتلكاتهم، وبَرَدٍ عظيم إلى الغاية ينزل بعضه في الأرض نحوًا من ذراع، وهبوب رياح قويّة دمّرت المزارع، والحقول، وقلعت الأصول العاتية من الزّيتون، والنّخيل، وغيرهما، وحرائق مدمّرة، كل ذلك أنتج ضعفا اقتصاديا ترى ذكره في كلّ تأريخ من تواريخ تلك الفترة، واستشرى بسببه ضرر بالغ بالبلاد، والعباد، وتفشّت الأوبئة، والأمراض الّتي ذهب بسبب بعضها في البصرة سنة: (406?) العدد الكثير من النّاس، حتّى عجز الحفّارون عن حفر القبور؛ وذهب أيضا بسببها في ماوراء النّهر سنة: (449?) ألف ألف إنسان وستّمائة ألف [3] !

المَبْحَث الثّاني اسمه، ونسبه، ونسبته، وكنيته:

هو الشّيخ، الإمام، الزّاهد، العابد، الصّادق، بقيّة المشايخ [4] الحافظ [5] : يوسف بن محمَّد بن أحمد بن محمَّد [6] بن أحمد [7] المِهْروانيّ [8] ، الهَمَذَانيّ [9] ، أبو القاسم، البغداديّ [10] .

المَبْحَث الثّالث مولده:

ولِد أبو القاسم المهروانيّ سنة: ثمانين وثلاثمائة للهجرة [11] .

المَبْحَث الرّابع نشأته، وطلبه للعلم:

لم تسعفنا المصادر بترجمة مفصّلة، وافية للمِهروانيّ يرحمه الله فلا نجد فيها بالتّالي ما يدلّ على كيفيّة نشأته، إلاّ أنّ الرجل موصوف بالصّلاح، والزّهد، والعبادة، وهو مع ذلك ثقة، محدّث، والغالب على من كان بهذه الصِّفة أنّه نشأ نشأة جيّدة، في ظلّ أهل بيت غرسوا فيه هذه المبادئ السّامية، والقيم الرّفيعة، حتى كبر، وصار له شأنه، ومنزلته، فقصده الطلاّب، واهتمّ أهل العلم بالأخذ عنه، والانتقاء عليه.

أما طلبه للعلم: فلم تحدّد المصادر لنا أيضا بدء طلبه له، إلاّ أنّه يمكن أن أقول:

(1) غدير خمّ، وحديثه في صحيح مسلم (كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عليّ رضي الله عنه) 4/ 1873 رقم/2408، وغيره.

(2) انظر ص / 33.

(3) انظر في هذا المبحث: المنتظم (14/ 344 16/ 179) ، والعبر (2/ 155 - 325) ، وتأريخ الدّولة الإسلاميّة في العصر العبّاسيّ للدّكتور: خليل السّامرّائيّ، والدّكتور: طارق سلطان، والدّكتور: جزيل الجومرد، وتأريخ الدّولة العبّاسيّة للدّكتور: جمال الدّين الشّيّال، والدّولة الإسلاميّة في العصر العبّاسيّ، والعلاقات السّياسيّة مع الأمويّين والفاطميّين للدّكتور: حسين محمَّد سليمان.

(4) سير أعلام النّبلاء للذّهبيّ (18/ 346) .

(5) انظر: الأربعين لابن حاتم (94 ق 2) نقلًا عن: الحافظ الخطيب البغداديّ للطّحّان (ص / 111) .

(6) الأنساب للسّمعانيّ (5/ 415) .

(7) السّير (18/ 346) .

(8) بكسر الميم، وسكون الهاء، وفتح الرّاء والواو، وفي آخرها النّون نسبة إلى مِهْرَوَان: ناحية مشتلمة على قرى بهَمَذان ... انظر: الأنساب (5/ 415) . وانظر: معجم البلدان (5/ 233) .

وتفرّد ابن ناصر الدين في: (توضيح المشتبه 9/ 128) فقال بفتح الميم في أوّله، والأوّل أشبه، وأشهر.

وتَحرَّفت نسبته في المطبوع من: (المنتظم 16/ 179 ت / 3461) إلى: النّهروانيّ بالنّون بدل الميم.

(9) بالهاء والميم المفتوحتين، والذّال المنقوطة بعدها نسبة إلى هَمَذَان: مدينة بالجبال مشهورة، على طريق الحج والقوافل، عذبة الماء، طيّبة الهواء، فتحها المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في جمادى الأولى على رأس ستّة أشهر من مقتل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. انظر: الأنساب (5/ 649) ، ومعجم البلدان (5/ 410) .

وتصحّفت هذه النّسبة في المطبوع من: (شذرات الذّهب 3/ 331) إلى: الهمدانيّ بالميم السّاكنة، والدّال المهملة.

(10) الأنساب (5/ 415 - 416) . هذا، وقد يلتبس على غير المدقّق رجل آخر بالمهروانيّ شاركه في طبقته وفي اسمه، وبعض نسبه، وكنيته، وينسب إلى هَمَذَان أيضا، وهو: (أبو القاسم يوسف بن محمَّد بن يوسف بن الحسن الهمذانيّ الخطيب) له ترجمة عقب ترجمة المهروانيّ في:

(المنتظم 16/ 179 ت / 3462) ، و (معجم البلدان 5/ 233) ، و (السّير 18/ 348) ، و (العبر 2/ 325) ، وغيرها ... فليُنْتَبَه.

(11) المنتظم (16/ 179) ت / 3461.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت