وهي دولة باطنيّة، تظهر التّشيّع لأهل البيت، وتبطن الكفر، والفسق، أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم ... وقام النّاس في بغداد ضدّهم، وبيّنوا زيف نسبهم المُدّعى لأهل البيت، وأبانوا عقائدهم للنّاس، وأنّهم زنادقة، وشاع هذا الإنكار في الحرمين، وغيرهما [1] .
وظهرت في العقدين الأخيرين من حياته دولة المرابطين بالمغرب العربيّ، ثمّ بالأندلس بعد وفاته.
وساعدت عدّة عوامل في ظهور هذه الدّول وغيرها إلى جانب الدّولة الأُمّ الدّولة العبّاسيّة منها: ضعف سلطة خلفائها (في العصر الثّاني) ، وسعة نطاقها، وتصارع الأفكار السياسيّة، والمذاهب العقديّة، مع ما كان لبعض هذه الدّول من أثر في إيصال الإسلام إلى بقاع لم يكن وصلها من قبل.
ومع شدّة هذا الضّعف النّاخر في جسم الدّولة الإسلاميّة آنذاك، وانقسامها، وهذه القلاقل، والفتن، والصّراعات الدّامية، وتقتيل النّاس، وأخد الأموال فقد توسّعت رقعة الدّولة شيئا ما ...
فافتتح ابن سُبكتِكين [2] خوارزم، سنة: (407?) ، وأرضا من أرض الهند، سنة: (410?) وقهر أهلها، وكسّر أصنامهم، وغنم منهم ما لا يحصى، وضرب عليهم الخراج. وغزا مطلوب الكرديّ بلاد الخزّ، فقتل، وسبى، وغنم أيضا. واستولت السّلجوقيّة على جميع خراسان، سنة: (432?) ، والرّيّ سنة: (435?) .
وجرت عدّة وقائع بين المسلمين، والرّوم ...
منها ما كان في سنة: (463?) من معركة كبرى عُرفت بمعركة: مُلاذكُرْد بين جيش المسلمين بقيادة: أَلْب آرْسِلاَن، وجيش الرّوم بقيادة: ملكهم آنذاك، قُتل الرّوم فيها مقتلة عظيمة، وأُسر ملكهم، ثمّ أُطلق، وكانت معركة من المعارك الحاسمة التي أدّت إلى انتشار الإسلام في آسيا الصغرى، وماحولها.
2)من النّاحية العلميّة:
يُعَدُّ العصر العبّاسيّ الثّاني من أكثر العصور الإسلاميّة ازدهارًا بالعلم والثّقافة، والأدب.
ولعلّ المشتغلين بالعلم من أهل ذلك العصر لم يتأثّروا كثيرًا بالضّعف الّذي هيمن على الدّولة، بل اندفع كثير منهم نحو العلم، والتّعلّم، وتوسّعت الرّحلة في طلب الحديث، وظهر أئمّة كبار في أكثر العلوم، والفنون ...
ومن العوامل الّتي ساعدت على ذلك إلى جانب أهل العلم وطلاّبه الّذين حملوا عبء تحصيل العلم، وتبليغه: اهتمام بعض الخلفاء، والوزراء في التّشجيع عليه، ودعمه ... فكثرت المؤلّفات، والمصنّفات في شتّى العلوم، والمعارف خصوصًا علم الحديث الشّريف.
ويكفي للدّلالة على ذلك أنّ ابن الجوزيّ ذكر في: (المنتظم) [3] وفاة نحو من خمسين وخمسمائة إنسان، ما بين إمام عالم مصنّف، وغير مصنّف.
وأَزْيَد على هذا العدد بعشرين نجده عند الذّهبيّ في: (العبر) [4] ، وهذا في الفترة الّتي عاشها المِهْروانيّ رحمه الله من تأريخ ولادته إلى سنة وفاته فقط.
ومن هؤلاء الأئمّة: أبو بكر بن شاذان، وأبو عليّ التّنوخيّ، وأبو الحسن الدّارقطنيّ، وأبو حفص بن شاهين، وأبو الحسن الحربيّ، وابن بطّة، والخطّابيّ، والفقيه الشّافعيّ زاهر بن أحمد السّرخسيّ، وابن أبي زيد القيروانيّ شيخ المالكيّة في المغرب في وقته، وابن أخي ميمي، وأبو نصر الجوهريّ، وأبو طاهر المخلّص، وأبو عبد الله بن منده، وابن الباقلاّنيّ الأصوليّ، وأبو عبد الله الحاكم، وعبد الغنيّ بن سعيد الأزديّ، وابن مردويه صاحب التّفسير، وأبو نعيم الأصبهانيّ، والبيهقيّ، والحافظ ابن عبد البرّ، وخلق يطول ذكرهم.
وإنّ هذه الكوكبة ممّن ذُكر، ومن غيرهم من أهل العلم، والمشتغلين به فيها
(1) انظر: كشف الشبهات لشيخ الإسلام: محمَّد بن عبدالوهاب رحمه الله (ص/2324) .
(2) بضم السين المهملة، والباء الموحدة، وسكون الكاف، وكسر التاء المثناة من فوقها، والكاف الثانية، وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها نون.
انظر: وفيات الأعيان (5/ 182) .