وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم [1] ا. هـ
وقال أيضًا:
مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة وإن كانوا جهالًا مبتدعين وظلمة فاسقين [2] ا. هـ
ويقول الشيخ أبو قتادة ثبته الله وفك أسره:
تبين الفرق بين من قصد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فأخطأ السبيل ولم يصب المراد، وبين من هو في شقاق مع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لايقيم شأنًا لأمره ولا يلتفت إلى ما جاء به إلا بعين الازدراء والتحقير، همه المعاندة والإعراض، إذا وقعت به واقعة لا يلتفت أبدًا إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر فيها، فهذا وإن قال كلمة الإسلام - لا إله إلا الله محمد رسول الله - فإنه من أكفر خلق الله تعالى ومن أبعدهم عن دينه، ولذلك كان من حجج بعضهم في عدم تكفير المبدلين لشرع الله تعالى من الحكام أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى لم يكفر المأمون ولا المعتصم، مع قولهم بأقوال مكفرة عنده كقولهم بخلق القرآن وبقول جهم في الأسماء والصفات، فشتان بين من أراد الحق فأخطأه وهو يريد أن يحقق لا إله إلا الله في نفسه وأمته، وبين من رفع شعار العلمانية وزعم أن الله تعالى لا حق له في التشريع والقضاء.
ثم تبين لك الفرقان بين الزنادقة كالإسماعيلية والقرامطة والدرزية ومن شابههم في هذا العصر ممن يقولون؛ إن القرآن"إفراز"واقعي أو إن القرآن كتاب مواعظ لا أحكام أو كتاب أدب لا كتاب هداية، أو يقولون إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم غير ملزم لنا بل هو ملزم لعصره فقط، أو يقولون إن حكم الله تعالى لا ينفع اليوم وليس له قيمة في إصلاح الحياة، وبين المتأولين الذين وإن قالوا ما هو كفر من المقالات، وقالوها متأولين آية أو حديثًا، أرادوا متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ففاتهم المراد، فهم وإن كانوا ضلالًا وقالوا كلمة الكفر إلا أن تكفير الواحد منهم لابد من إعمال قواعد قضائية فيه وذلك من تحقق شروط وإنتفاء موانع، ثم هذا لايعني أبدًا أن لا يكفر المتأول أبدًا فقد يغلب على نظر العالم والناظر
(1) مجموع الفتاوى (12/ 487 - 489) .
(2) مجموع الفتاوى (7/ 507 - 508) .