والمفتي زندقة الواحد منهم مع قوله بعدم كفر آخر يقول بقوله، وليس هذا من التعارض والاضطراب في شيء وإن بدا هذا اضطرابًا وتعارضًا عند من لا يعرف هذا الباب من العلم [1] ا. هـ
فبطل بهذا زعم الحميدي وقوله: لأن ما زالت أمور الكبرى اللي هي ما صلوا هم ضابطين هذا الأصل ما أقاموا فيكم الصلاة ومعها بقية أمور الإسلام الكبرى كالزكاة وصيام رمضان وأمر النسك والحج قائمة فإذا هدمت هذه الأمور انهدم.
فلا تعلق لأمر الصلاة ومباني الإسلام بعدم تكفير الأئمة للخلفاء الثلاثة فضلًا عن أن يكون لها تعلق بعدم خروجهم عليهم، وإنما الأمر متعلق بهؤلاء الخلفاء أنفسهم وهل كفروا أم لا؟
وقد عرفت أن ما وقعوا فيه من الكفر يدخله التأويل ويسوغ فيه الجهل، فيُحتاج في مثله إلى التعريف وإقامة الحجة، بخلاف من يحاول الحميدي بكذبه وتلبيساته الدفع عن تكفيرهم، فقد وقعوا في الكفر البواح من أبواب شتى وأعظم ذلك وأشنعه ما نقضوا به حق الله بالتفرد بالألوهية إذ جعلوا من أنفسهم أندادًا يشرعون للناس من دون الله، ويحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، وكذلك صرفهم لغير الله ما لا يحق صرفه إلا له دون سواه، كتحاكمهم إلى زبالات أفكار الغرب ونتاج أذهانهم وإعراضهم عن شرعة رب العالمين، التي لا يصلح الخلق إلا بها، ولا تنال سعادة الدارين إلا بالتحاكم إليها وتطبيقها في دقيق الأمور وجليلها، إلى غير ذلك من كفرياتهم التي يعلمها القاصي والداني.
فشتان بين أولئك وهؤلاء، وشتان بين ما وقع فيه أولئك وبين ما وقع فيه هؤلاء، فلئن كان لأولئك حظ في الجهل والتأويل، فورب السماء والأرض لا حظ لهؤلاء في غير السيف البتار، والحرب والنار، والإرهاب والدمار ..
فليُرِح النوكى بعد هذا أنفسهم فهذه المسألة عندنا من المُسلّمات، ولينصرفوا لدنياهم وينشغلوا بالملذات، وليتركوا الطريق لرجال عرفوها وخبروها، وأنفسهم لله قد باعوها، فليس عن إزالة المرتدين مناص، والعاقبة للمتقين، والنصر للمؤمنين، رغم أنف الملبسين والمنتكسين.
(1) أهل القبلة والمتأولون.