وكان الخليفة هذا المملوكي وأحد كبار وزرائه ويسمى نصر المنبجي متبنين لعقيدة ابن عربي وبنوا له ضريحًا ضخمًا جدًا على قبر محيي الدين في دمشق وكان موجود في عهد ابن تيمية رحمه الله، فابن تيمية لعلمه أراد أن يكشف هذه العقائد الفاسدة أن نقوم بالحق، فكتب رسالة مشهورة مطبوعة مستقلة وموجودة ضمن مجموع الفتاوى بهذا العنوان: رسالة إلى نصر المنبجي في عقائد محيي الدين ابن عربي، يوضح له هذه العقائد وفسادها وأن هذا ضلال بل وكفر، ويدعوه إلى أن يتوب منها الوزير هذا والخليفة أيضًا.
فطيب ما الذي حصل؟ لم يقبلوا نصيحته وسجنوه في الأسكندرية سبعة أشهر كاملة لأجل ذلك، وما حصل منه لا تكفيرًا لهم ولا خروجًا، بل أعجب من ذلك أن حصل كناحية سياسية انقلاب على هذا الحاكم من ابن عم له كان خليفة قبله فهو انقلب عليه، فعاد ابن عمه واسمه الناصر قلاوون فانقلب عليه وسجنه هذا الخليفة الجاشنكير المتبني هذه العقائد وسجن معه قضاته ومنهم هذا نصر المنبجي، ثم استخرج شيخ الإسلام ابن تيمية من السجن وقال أفتني في هؤلاء تريد نضرب أعناقهم؟ لو كان لهذا الرجل الإمام هوى، قال: إن بحثت في ولايتك ودولتك لا تجد خيرًا من هؤلاء القضاة اللي أنت ساجنهم الآن، اللي أفتوا بسجنه وتبنوا العقائد الفاسدة، فأخرجهم إلى مناصبهم السابقة وعاد الشيخ مرة أخرى إلى دمشق يواصل حياته ورسائله العلمية [1] ا. هـ)
تضمن كلامه هذا من الكذب والتلبيس والخلط الشيء الكثير، وقبل بيان ذلك فإني ذاكر لك قاعدة تفيدك في هذا الباب وأمثاله، وهي ناسفة لكلامه كله وهي:
أن قضايا الأعيان وحكايات الأحوال لا يمكن بحال أن تؤثر على ما تقرر بالأدلة وأجمع عليه أهل العلم من أن الحاكم إذا كفر بطلت ولايته ووجب على المسلمين خلعه، وذلك أن قضايا الأعيان يطرقها الاحتمال والظن والتوهم، فلا يكون لها والحالة هذه عموم ولا تأثير، فضلًا عن أن تكون مقيدة للأدلة وملغية لإجماع أهل العلم.
وهذه القاعدة نافعة لو قد فرضنا أن الخلفاء في زمن الإمام أحمد، والملك الجاشنكير في زمن ابن تيمية قد ارتدوا وخرجوا من الدين، فكيف والأمر بخلاف ذلك.
ولنأت بعد هذا إلى كلامه لنرى مافيه.
قوله: لما دعى الخلفاء خلفاء بني العباس المأمون والمعتصم والواثق إلى عقائد الجهمية.
لا بد أن تعلم أن التجهم يمكن أن يوصف به كثير من الطوائف، منها الغالية التي لا يشك في كفرها أحد كالحلولية والاتحادية ومنها دون ذلك.
(1) الجرأة على الله - الحلقة الثانية.