وفي مصر من العلماء والعباد أناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوا من الكفر، ومع ذلك أجمع العلماء على ما ذكرنا، حتى أن بعض أكابر أهل العلم المعروفين بالصلاح قال: لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منها النصارى المحاربين ورميت بالتسعة بني عبيد.
ولما كان زمان السلطان محمود بن زَنْكي أرسل إليهم جيشًا عظيمًا بقيادة صلاح الدين فأخذوا مصر من أيديهم، ولم يتركوا جهادهم بمصر لأجل من فيها من الصالحين، فلما فتحها السلطان محمود فرح المسلمون بذلك أشد الفرح، وصنف ابن الجوزي في ذلك كتابًا سماه النصر على مصر [1] ا. هـ
فهل عرفت سبيل أهل السنة من سبيل أهل البدع والزيغ والضلال؟!
وقوله: أضف إلى ذلك في بلادنا هذا أمر النسك والحج وهو من معالم الإسلام الكبرى.
يُفهم من كلامه أن ترك القيام بأمر النسك والحج أو منعه أو إبطاله يجيز الخروج على الحاكم، ولا أدري ما مُسوغ هذا عنده، وهو يفسر الكفر البواح في حديث عبادة بترك الصلاة، فهو هنا ينقض بدعته تلك دون أن يشعر، فمن أين له أن ترك أمر النسك والحج يبيح الخروج؟! فإما أن يكون الموجب للخروج هو الكفر فيدخل في ذلك كل ما هو كفر، وإما أن يكون الموجب هو الكفر الذي هو ترك الصلاة، ولا شيء ثالث، فإن التزم الثاني بطل قوله في أمر النسك هنا وقوله السابق في شعائر الإسلام، وإلا فما قرره في حديث عبادة باطل.
وقوله: ولا حتى في أي مسوغ آخر باسم إنكار المنكر بل يدخل في الفتنة وتفريق الصف وهو من مذاهب أهل البدع لا من مذاهب أهل السنة.
لازم كلامه هذا أن يكون جماعة من الصحابة ومن بعدهم من التابعين والأئمة ممن خرجوا على أمراء الجور وأنكروا المنكرات بسيوفهم أن يكونوا من أهل البدع وحاشاهم ..
لك أن ترى الخروج على أئمة الجور محرمًًا بالدليل، لكن أن تصف من يرى جواز ذلك بالابتداع فهذا باطل ولوازمه قبيحة شنيعة.
قال الإمام ابن حزم رحمه الله:
وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة، وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير وغيرهم ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وهو قول عبد الله
(1) مختصر السيرة (1/ 47) .