فما رجحه القرطبي هنا لا ينافي قوله المتقدم من أن الحاكم إذا كفر وجب على المسلمين كلهم خلعه، إذ الحديث وارد هنا على صورة مخصوصة، وهي الحاكم المسلم الظالم، فالسؤال من الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم هو عن هذه الصورة، وجوابه عليه الصلاة والسلام مقصور عليها، فهي سؤال عن حكام مسلمين ظلمة، استأذن الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج عليهم ومقاتلتهم، فمنعهم من ذلك لكونهم مقيمين للصلاة، فإذا ترك هؤلاء الظلمة إقامتها وجب الخروج، فالسؤال والجواب متعلق بأئمة مسلمين ظلمة، ألا تراه أضافهم إلينا (أئمتكم) ؟ ولا يمكن أن يكونوا منا إذا كانوا كفارًا مرتدين أيًا كانت ردتهم وكفرهم، فالكافر ليس بعضًا منا ولا واحدًا منا، فليس في الحديث إذًا تعرض لحالة حاكم كافر ابتداءً، وإنما هو في أئمة الجور، فمنعهم عليه الصلاة والسلام من الخروج على أئمة الجور إلا أن يتركوا إقامة الصلاة، فغاية ما في الحديث أن ترك أئمة الجور للصلاة مبيح للخروج عليهم.
يوضحه أن وصْفَهُم بالأئمة المسلمين (أئمتكم) لازم لهم لغاية تركهم إقامة الصلاة، وهذا يقتضي عدم خروجهم من الدين إلى حصولِ تلك الغاية، فلا يكون في الحديث إلا الدلالة على أن ترك إقامة الصلاة كفر إذا وقع فيه الإمام وجب الخروج عليه، أما إذا خرج من الدين من غير هذا الباب فليس في الحديث بيان لحكمه، فيكون مستفادًا من حديث عبادة، ويكون تخصيص الصلاة هنا بالذكر لعظيم شأنها وجليل قدرها ..
فتأمل هذا غاية التأمل، ولا تعده إلى سواه حتى تفهم معناه ..
فهذا توجيه القول الذي رجحه القرطبي هنا، وهو مصير منه إلى أن حمل لفظ الصلاة في حديث عوف على ظاهره أولى من تأويله.
والحاصل أنه لا تعارض بين ما رجحه هنا وبين ما ذكره سابقًا في حديث ابن عمر وحديث عبادة رضي الله عنهم كما بينته، و إلا لنُسِب إلى التناقض والله أعلم.
3 -الحافظ ابن حجر رحمه الله:
قال في شرحه لحديث عبادة:
قوله: (إلا أن تروا كفرا بواحا) بموحدة ومهملة .. قال الخطابي: معنى قوله (بواحًا) يريد ظاهرًا باديًا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحًا وبواحًا إذا أذاعه وأظهره، وأنكر ثابت في الدلائل بواحًا وقال إنما يجوز بوحًا بسكون الواو وبؤاحًا بضم أوله ثم همزة ممدودة .. وقال الخطابي: من رواه بالراء فهو قريب من هذا المعنى وأصل البراح الأرض القفراء التي لا أنيس فيها ولا بناء، وقيل البراح البيان يقال برح الخفاء إذا ظهر.
وقال النووي: هو في معظم النسخ من مسلم بالواو وفي بعضها بالراء.