الأول: أن قول حذيفة لا يخدمه في هذا، فلم يقل حذيفة أن حكم الآيات انتهى ولا هو معنى قوله، وإنما المعنى من قوله أن من تنزلت الآية فيهم أي كانوا سبب نزولها لم يبق منهم إلا ثلاثة، يوضح هذا قول حذيفة نفسه فإنه قال: ما بَقِيَ من أَصْحَابِ هذه الْآيَةِ إلا ثَلَاثَةٌ ولا من الْمُنَافِقِينَ إلا أَرْبَعَةٌ ...
فهل يستطيع الحميدي أن يقول بأن المنافقين لا وجود لهم اليوم لقول حذيفة (ولا من الْمُنَافِقِينَ إلا أَرْبَعَةٌ) ؟!! هذا ما لا يستطيعه وهو لازم له، فالشأن إذًا ظاهر، ومراد حذيفة وقوله واضح.
الثاني: أنه قد تقرر عند أهل العلم، أن العبرة في آي الكتاب، بعموم ألفاظها لا بخصوص الأسباب، ما لم يكن ثمة دليل يدل على الاختصاص، وإلا لأبطلنا أحكام القرآن جملة بحجة أن من نزلت فيهم الآيات قد ماتوا، ولهذا قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:
والصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم [1] ا. هـ
وقال الشوكاني في تفسيره لهذه الآية بعد أن أورد قول حذيفة رضي الله عنه:
والأولى أن الآية عامة في كل رؤساء الكفار من غير تقييد بزمن معين أو بطائفة معينة اعتبارًا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يفيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه كان في عهد أبي بكر الصديق إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قومًا مجوفة رؤوسهم فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله يقول {فقاتلوا أئمة الكفر} [2] ا. هـ
ولهذا فإن أهل العلم كثيرًا ما تراهم يستدلون بهذه الآية وآيات صدر براءة عمومًا في مسائلهم، وهذا باب واسع لو تتبعناه طال بنا المقام، وأخرجنا عن المقصود، وما ذُكِرَ كاف إن شاء الله.
(1) تفسير ابن كثير (2/ 340) .
(2) فتح القدير (2/ 342 - 343) ط دار الفكر.