كنا نقبل الحديث عن رسول اللّه ? من كل أحد، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نقبل منه إلا ما نعرف.
وكذا أنكر الزهري على إسحاق بن أبي فروة أحاديث أرسلها فقال: تأتينا بأحاديث لا خطم لها ولا أزمة ألا تسند حديثك.
ونقل إمام الحرمين أن ذلك مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أعني التفصيل السابق فقال: إذا كان المرسل من كبار التابعين وعادته الرواية عن العدل وغيره فليس بحجة، وإن لم يرو إلا عن العدل فحجة قال: ولذلك قبل الشافعي مراسيل سعيد بن المسيب لأنه انفرد بهذه المزية.
قلت-ابن حجر-: وهذا مقتضى ما علل به الشافعي قبوله لمراسيل سعيد فإنه قال في جواب سائل سأله فقال له: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعًا ولم تقبلوه عن غيره؟ فقال: لأنا لا نحفظ لسعيد منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثره عن أحد عرفنا عنه إلا عن ثقة معروف فمن كان بمثل حاله أحببنا قبول مرسله.
فهذا يدل على أنه قبل مراسيل سعيد بن المسيب لكونه كان لا يسمي إلا عن ثقة، وأما غيره فلم يتبين له ذلك منه فلم يقبله مطلقًا وأحال الأمر في قبوله على وجود الشرط المذكور.
وقال الغزالي في المستصفى: المختار على قياس رد المرسل أن التابعي إذا عرف بصريح خبره أو عادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قبل مرسله وإلا فلا، لأنهم قد يروون عن غير الصحابة رضي الله عنهم.
قلت-ابن حجر-: ويؤيد ذلك نقل ابن حبان الاتفاق على قبوله عنعنة سفيان بن عيينة مع أنه كان يدلس لكنه كان مع ذلك لا يدلس إلا عن ثقة فقبلوا عنعنته لذلك.
وقد تقدم عن القاضي أبي بكر وغيره ما يعضد ذلك والله أعلم
وبهذا المذهب يحصل الجمع بين الأدلة لطرفي القبول والرد والله أعلم [1] ا. هـ بشيء من الاختصار.
فبان من هذا النقل تعدد أقوال أهل العلم في قبول المراسيل والاحتجاج بها، وهم في ذلك بين متشدد ومتساهل ومتوسط، وآخر الأقوال التي حكاها الحافظ ظاهر الوجاهة، وهو أعدل الأقوال وأحسنها، فالعدول عن ما سواه إليه هو المختار، فالنفس إلى اعتماده مطمئنة، فالأخذ بالمراسيل كلها غير سديد، وردها جملة إهدار لكثير من العلم مفيد، والحق هو التنقيب عن حال المُرسِل فإذا علمناه لا يرسل إلا عن الثقات، باستقراء رواياته أو بشهادة الأئمة الأثبات، فبأيّ شيءٍ ترد مراسيله إذًا غير التشديد والإعنات!
(1) النكت على ابن الصلاح (2/ 546 - 555) .