الصفحة 39 من 121

في أيام ربانية عشتها بفضله ورحمته، ومنذ اللحظة الأولى فيها وأنا خائف أن تهرب مني، فكنت أجاهد نفسي وأنا أحاول أن ألتقط وأجمع وأنظر وأراجع، منذ تلك اللحظة التي أغلق فيها السجان باب الغرفة الصغيرة الثقيلَ عليّ وحيدًا وأنا في هم رجح على كل الهموم: كيف أقتنص لحظات هذا الزمن؟ إذ همّي ألا يسير الزمن مسرعًا، فالربح كثير وفير، وكان من نعم الله تعالى على هذا (الإنسان) أن حبّب إليه صحيح الإمام البخاري، حبًا صنعه علم المحققين والدارسين أنه أعظم كتاب في الأرض بعد كتاب ربنا سبحانه، وحبًا تكامل تباعًا مع كثرة الرد والمراجعة، ومع وجود غيره من الكتب الستة بين يدي إلا أنني طوال عامين وزيادة لم أستطع قط ولم أنجح في أي محاولة أن أتحول إلى غيره من كتب السنة، أذهب إليه مرة من أجل حكم شرعي، ومرات من أجل إلتقاط الحِكَم والعظات، وفي أكثر المرات يكون الذهاب من أجل أن أقرأ قصة (الإنسان) ، نعم فإني أعترف أن أكثر ذهابي لهذا الكتاب في تلك الفترة من أجل قراءة الرواية الحقيقية للبشرية ...

إلى أن قال: فكانت هذه الباقة العطرة، الممتعة الجميلة، هذه الدرر النبوية الشريفة، جمعتها كلها من سمط اللآلئ الموسوم من قِبَل الإمام محمد بن إسماعيل البخاري:"الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"عشت معها أجمل الأوقات، وكانت لها بركات المشاعر التي تغزو القلب فتثير الدمع في العين والقشعريرة في الجلد، وقد عرضت لي كما عرض الكثير غيرها لكن كان لا بد من الاختيار -وما أصعب الاختيار بين الأماثل- فكانت على قيد السلف في بعض تصانيفهم أربعون حديثًا لأمر معروف ومشهور، وإن شئت قلت: أربعون جوهرة، ثم جئت إليها وبطيش رجل مغرور حاولت أن أفك من كل -جامعة- كلمة واحدة لأقول للناس انظروا، فلم يزد هذا (الإنسان) إلا أنه ادعى، ولكن يكفيه أن يعترف أنه حاول أن يفك كلمة من (جوامع الكلم) ، وأن يصف ذرة من كل جوهرة، وأن يشير إلى وجه واحد من هذه الدرة التي لا ينتهي تقلب وجوهها العظيمة، ثم إن في القلب عذر: هذا جهد المقل، والقلة مع الحب ثقيلة، ومع العذر رجاء أن أحشر مع أهل الحديث علمًا ومع أهل التوحيد والجهاد فعالًا، وإني لا أملك مع هذا الطمع إلا أني أحب:

(ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) ا. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت