الإشاعة في ذلك الزمان ساذجة بسيطة، لكن ما نصنع اليوم وقد صارت علمًا يدرس في أقبية الخبث، وصارت فنًا متراكبًا يقدم لها ما عهد لها، ولها وسائل دخلت كل البيوت من مذياع وتلفاز و"كمبيوتر"وصحف سيارة، وتكرر كل يوم على الأسماع والعقول والقلوب حتى إن المرء ليسمعها أكثر مما يسمع اسمه أو اسم أبيه؟!
ماذا يقال اليوم عن الجهاد وأهله؟ وماذا يقال عن دعاة الحق والدين؟ وماذا سيقال عن المتمسكين بالسنة والشريعة؟ وكيف تصور المرأة المسلمة الحصان الرزان؟ أفلام تنتج، واستهزاء قبيح مؤلم، وصحف يقوم عليها مأجورون مأبونون، والغوغاء قطيع يسير وراء الناعقين إلى جهنم وتدمير الذات.
إني أتكلم في هذا الموطن وفي القلب ألم -شهد الله- لعلمي أن كل ما سأقوله من موجبات شرعية لرد الإشاعة ضعيف أمام كيد الذين قال الله عنهم: (و إن كاد كيدهم لتزول منه الجبال) فوالله إن حادثة الإفك التي جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على حبيبته التي يعلم براءتها كعلمه بنفسه ويقول لها: (أمّا بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه) لأمر يجعل الإشاعة شديد الوطأة عظيم.
فمن منا يستطيع أن يقول اليوم لمتهم متألم: (إن كنت بريئًا فسيبرئك الله) وقد انقطع الوحي من السماء، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ماذا يملك اليوم أهل التوحيد ودعاته والمجاهدون في سبيله من الوسائل للوقوف أمام طغيان آلة الكذب والإشاعة الفاجرة؟ علماؤهم في السجون أو مقهورون معزولون ممنوعون من الظهور، المجاهدون مطاردون في كل فج، المحبون لهم متخفون على خوف وترقب، فأي معادلة هذه والأعداء يملكون كل السبل ويقفون على كل الصعد؟
اللهم رحمتك وفقط، فإن هذه معركة أقولها بكل ألم معركة مؤلمة وعوامل الخسارة فيها جلية، لكن يرطب القلوب أن العاقبة للمتقين.
اثبت هنا حديث الإفك، فوالله ما قرأته إلا وبكيت، والعظات فيه كبيرة لمن تفكر واعتبر إذ أن هذا الباب لا يسع المرء فيه إلا أن يضع القلم فيه ويستغفر ويلتجئ إلى الله طالبًا العون والمدد. (حديث: 4750 / البخاري) . انتهى كلام الشيخ أبي قتادة ثبته الله وفك أسره.
أسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا، وأن لا يؤاخذانا بتقصيرنا في حق إخواننا ومشايخنا المأسورين، وأن يعجل لهم بالفرج القريب، وينصرهم على عدوه وعدوهم ..
وإلى هنا أكون قد انتهيت من الرد على الحميدي الكذاب، وقد كنت سودت بعض الأوراق بافتراءات هذا الرجل على الأئمة من بعض حلقاته الأخرى التي رأيتها، وكنت عازمًا