فلم يخرجِ الشعراءُ شعرَهم إلا بعد الثقة بجودته وجماله.
وقد وردتنا قصائد المديح منفردة أحيانًا، وبمطالع تقليدية أحيانًا أخرى، غير أنّ القسم الأعظم من قصائد المديح مسبوق بالمطلع التقليدي، ولا سيما إذا كان الممدوح شخصية عُلّية كوزير، أو أمير إعلاءً لمقامه، وتقليدًا لكبار الشعراء، وكان الغزل هو اللون الطاغي على المقدمات الشعرية في المديح، وفي غيره.
ولعل الشاعر يسعى إلى خلق المطالع، بوصفها منهجا تقليديا جر الشعراء إلى قول الغزل، نظيرمن سبقهم، ومثلهم كمثل زهير بن أبي سلمى، الذي تذكر ديار الحبيبة بعد مضي عشرين عامًا فقال (1) :
وقفتُ بها من بعد عشرين حجةً
فلأيًا عرفتُ الدار بعد توهُّم (2)
وهذا الأرجاني يمدح سديد الدولة بن الأنباري، كاتب الإنشاء بالديوان، ويفتتح القصيدة بمقدمة غزلية رائقة يقول فيها (3) :
أضم على قلبي يديّ من الوجد
إذا ما سرىوهنًا نسيمُ صبا نَجدِ
وأهونُ شيء ما أُقاسي من الجوى
إذا ما صفا عيشُ الأحبة من بعدي
خليليّ من سعدٍ: ألم تعرِفا الهوى؟
ومن لي بأن يهوى خليلاي من سَعْدِ؟
ــــــــــــــــ
(1) شعر زهير بن أبي سلمى ص 6.
(2) لأْيًا: الجهد والمشقة، وقصد أنه وقف بدار أم أوفى بعد مضي عشرين سنة من فراقها، ولم يعرفِ الدارَ إلا بالمكابدة، والعناء، والمشقة.
(3) الديوان 2/ 472 - 473.