الصفحة 12 من 228

القسم الثاني: الحياة الأدبية:

لما انقسمت الدولة أوطانًا، واستقلت أطرافها، صار للأدب أوطانٌ عدة، وتعددت طرق الشهرة أمام الأدباء (الشعراء والكتاب) ،واتسع حولهم مجال الاختيار، فأصبح الأديب يستطيع أن يختار الأمير الذي يرغب في زيارته، والبلد الذي ينزل فيه، ومما لاشكّ فيه أنّ انكسار الأُمة سياسيًّا لا يعني انكسارها ثقافيًّا. ومن المسلَّم به أنّ انقسام الدولة وضعفها كان سببًا في قوة الأدب ونشاطه، فكان كل ملك أو أمير ـ يملؤه الزهو ـ يجمع لديه أسباب المُلك والعظمة، فيعلي من شأن العلم والأدب، والعلماء والأدباء، مما يدفعه لينافس الأمراء الآخرين في ذلك، ويجعل إمارته مدينة الأدباء والعلماء، وبهذا يتردد اسمه في الآفاق، بما يلهج الشعراء من مدائح، ولأّن الشعراء أفضل أسباب الإذاعة، وأوسع وسائل الشهرة، يروح كل أمير أو والٍ بإغراء الشعراء بزيارته والإقامة في كنفه، فيقيدهم بإحسانه ويغمرهم بصلاته (1) . وهذا من أهم أسباب رفعة شأن الشعر، ومما ساهم في تجويد الشعراء في شعرهم، فأبرزوا مكنون بدائعهم، وتنافسوا، وتسابقوا في هذا المضمار. لهذا بلغ الشعر منزلة عالية، ونهض نهضةً فنيّةً واضحةً في مضامين قصائدهم، وألفاظهم. وسبب آخر دعا إلى رُقيّ الأدب عامة، والشعر خاصة في هذا العصر هو أنّ الغرس الذي نبت ونما في العصور التي مرّت آتى أُكُلَهُ في هذا العصر، وأنّ جميع الوسائل التي بُذِلَتْ في نهضة العلوم والفنون، وتطويرها أيام الخلفاء العباسيين الأقوياء ـ ويُسمّى ذلك العصر بالعصر الذهبي ـ، ظهرت آثارها ناضجة في العصور اللاحقة، وفي هذا العصر تحديدًا، لأسبابٍ كثيرة، وإنّ إحياء العلوم والإقبال على ترجمة آثار الأولين من الفرس والروم واليونان ظهر ممزوجًا بروح العصر، الذي تلاقحت فيه الحضارات، وأصبحت حضارة أمّةٍ بعينها ذائبة في بوتقة واحدة هي الحضارة الإسلامية. ولأنّه قد تمّ نضج العمل الحضاري بالاختلاط، والتمازج الفكري، بل وحتى المصاهرات كان

ـــــــــــــــ

(1) ينظر: العباسون الأوائل دراسة تحليلية 1/ 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت