كانت الدولة العباسية في عصرها المتأخر نهبًا للثائرين، والخارجين المتآمرين على الدولة من أمراء الأطراف، ورجال الجيش وخدم القصر وغيرهم، ممن أغراهم ضعف الخلافة، ودفعتهم الأطماع الخاصة، وأسباب كثيرة إلى الاستحواذ على ما يمكن الاستيلاء عليه من البلاد، والاستقلال بما تصل إليه أيديهم من الأسلاب. وكانت بلاد العجم ولا سيما أصفهان وما يحيط بها، وكذلك خراسان زاخرةً بمختلف الأنشطة، ولا سيما النشاط الثقافي، غنية بمواردها وتجارتها، ونواديها الأدبية، والعلمية.
قال ياقوت عن أصفهان: (وهي مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، ويُسرفون في وصف عِظَمِها حتى يتجاوزوا حدَّ الاقتصاد إلى غاية الإسراف) (1) . وقد وهبتها الطبيعة بسخاء، فجرى إليها نهر أصفهان المعروف بـ (زندروذ) ،وهو غاية في الطيب، والعذوبة والصحة (2) .
قال الأديب محمد بن أحمد الدوائي فيها (3) :
أنتِ يا أصفهان جَنّة عدْنٍ
ويقيني بطيبِ أرضكِ دينُ
لا كَوَادِيكِ بالمدينةِ وادٍ
في مكانٍ، ولا لطينكِ طينُ
وكأنّ المياه أريٌ مشورٌ (4)
وكأنّ الترابَ مِسكٌ عجينُ
ـــــــــــــــ
(1) معجم البلدان 1/ 206 - 210.
(2) يُنظر: عيار الشعر (المقدمة) .
(3) الخريدة ـ أصفهان 1/ 188.
(4) أريٌّ مشور: العسل المُجتنَى، وشار العسل: اجتناه، وبابه: قال.
ملِكٌ عادلٌ وربٌّ غفورٌ