الصفحة 13 من 228

لها أثر في إنضاج حضارة العصر. وقد مر من الزمن ما يكفي لتمثله وهضمه، فتجلت آثار هذه الثقافة القديمة في أشعار الشعراء، وبرزت نتائج تلك الجهود الماضية جلية في معانيهم وأساليبهم، وتلون الشعر بلون جديد يدل على عراقة في المدنية، وبدا على هذا الشعر التمكن من أسباب الحضارة، ولم يعد يظهر فيه البداوة إلا بقدر المحافظة على جمال الأسلوب وروعة البيان (1) .

لقد كان أثر هذه الانتقال الاجتماعي في خواطر الشعراء أبلغ منه في نفوس الكُتّاب، فإن أولئك بالخلفاء ألصقُ، ونفوسهم بالترف والمدينة أعلقُ، وهم المفاكهون في السمر، ضاق مضطربهم في السعي، فاتسع متقلبُهم في الخيال، واشتغلتْ أفئدتُهم بالفكر، وانطلقت ألسنتهم بالقول، ولم يجدوا العيش ميسورًا بالتأليف، فتفرغوا لصوغ الشعر في ضروبه المختلفة، ووجدوا من الخلفاء والأمراء مؤازرًا لهم، ومن الحضارة والطبيعة ناصرًا، ومن القريحة والسليقة مؤاتاة، فجالوا في الشعر جولةً لم تتوافر أسبابها لأسلافهم، ونقلوه من البوادي المجدبة إلى الرياض الناضرة، والقصور الشاهقة والمناظر المُونِقَة (2) . وكما هو معروف في القرن السادس للهجرة إنّ الحروف الصليبية كانت مُشتعلة ذات لهب، وصلاح الدين الأيوبي هو البطل الذي حمل لواء الجهاد في مواجهة الغزو الصليبي وكان في نظر المسلمين قائدًا من قواد الخليفة، ومنفذًا لأوامره، فاشترك كثير من الشعراء في هذه الحروب، وكان الشعر سلاح الجميع، فاستطاع المسلمون بعد أنْ وحّدُوا صفوفهم بقيادته أن يستردوا المدن والقلاع الإسلامية الواحدة تلو الأخرى (3) وصلاح الدين الأيوبي فارس مغوار، مجاهد فاتح، لا ينتهي من معركة إلا ليأخذ العُدّة لأخرى لاسترجاع ديار المسلمين، وقد التف الشعراء حوله، وأحاطوا بسلطانه لأنهم أحسوا بقوةٍ بعد ضعف، وعزّةٍ بعد ذلّ، فهتف الشعراء بمخلّص الأمة وبطلها،

ــــــــــــــــ

(1) ينظر: المفصل 1/ 9.

(2) ينظر: تاريخ الأدب العربي احمد حسن الزيات1/ 250.

(3) ينظر: مقدمة الروضتين 1/ 25. خريدة القصر ـ قسم العراق/المقدمة

وينظر: سياسة صلاح الدين الأيوبي (مصر والشام والجزيرة) ص 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت