وتوّجوه بغار المجد والفخار، ولا سيما أنه كان يتذوق الشعر ويهتم به، ويهتزّ له، ويدرك أسراره (1) ، وكان يجيز العلماء المؤلفين بسخاء، ولم يكنْ يُعطي الجائزة اعتباطًا، وإنما كان ينظر فيها فإذا لم يتوسم نفعًا نبذها (2) .
إنّ ما ذكرتُه عن موقف صلاح الدين الأيوبي من الأدب، ولا سيّما الشعر، إنّما يدل على حسِّه النقدي الذي كان يتميز به، وحبه الكبير للعلم والشعر، أما
أبناء أسرته فقد ساروا على الدرب الذي سار عليه صلاح الدين نفسه (3) . فأقبل العلماء والأدباء عليهم من كل حَدبٍ وصوب، يمدحونهم، ويمجدون بطولاتهم في المعارك التي خاضوها. وبزّ السلطان صلاح الدين الأيوبي كل السلاطين في الإنفاق على العلم والأدب والفقه .. وجمع بلاطُه جمهرة من العلماء والأدباء: كالقاضي الفاضل، وابن شداد القاضي والعماد الكاتب، وأسامة بن منقذ. وكان كما أسلفنا يتذوق جمال الشعر، ويهتز له، ويستحسن جيدة، ويردده في مجالسه حتى قيل: إنّه كان كثيرًا ما يُنْشِدُ قول أبي المنصور محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن إسحاق الحميريّ (4) :
وزارني طيفُ مَن أهوى على حذرٍ
من الوشاةِ وداعي الصّبح قد هَتَفَا
فَكِدتُ أُوقِظُ مَن حولي به فرحًا
وكادَ يهتك سترَ الحبِّ بي شَغَفا
ثُمَّ انتبهَتُ وآمالي تُخَيَّلُ لي
نيلَ المُنى، فاستحالتْ غبطتي أَسَفا
وكانت للعماد الأصفهاني مكانة متميزة عند صلاح الدين الأيوبي، وكذلك القاضي الفاضل، وقد عبر صلاح الدين عن تقديره للقاضي الفاضل بقوله:
ــــــــــــــ
(1) المفصل 1/ 66 - 67. وينظر: صلاح الدين الأيوبي / 69.
(2) المكان عند شعراء بني أيوب ص 5.
(3) ينظر: المصدر نفسه والصفحة نفسها. والشرق الأدنى في العصور الوسطى (الأيوبيون) 1/ 218.
(4) وفيات الأعيان 7/ 207. وينظر: النجوم الزاهرة 6/ 56.