الأغراض الشعرية
المديح:
ظهر الشعراء العرب على مسرح التاريخ منذ عصر ما قبل الإسلام، وهم يتغنون بمديح شيوخهم، وأبطالهم راسمين فيهم الأمجاد الحربية لقبائلهم، ومثاليتهم الخلقية الكريمة مُذْكِين بذلك الحماسة في نفوس الشباب، وبذلك كان الشعر ديوان مفاخرهم، أو بعبارة أدق كما يرى الدكتور شوقي ضيف (كان المديح هو هذا الديوان) (1) وأيضًا كان ديوان مُثُلِهم الخُلُقية من الجود وعزة النفس والكرامة، فالمديح عامة ثناء يُسبغه الشاعر على ممدوحه اعترافًا بفضلٍ، أو طعمًا في نوال (2) ، وفي مقابل ذلك كان الملوك والأمراء يسعون إلى اكتساب صداقة الشعراء؛ لما لهم من أثر على سياسة قبائلهم من جهة، ولما لهم من فضلٍ في سير ذكر الممدوح بين الناس (3) من جهة أخرى، فالنظرة إلى المديح في هذا العصر قد اختلفت كل الاختلاف عن نظرة العصور السوالف، فليس من المقبول أن يقف الشاعر بباب أميرٍ، أو ذي سلطة مادحًا له في عصر اختلفت فيه أسباب العيش عن ذي قبل،
ولا سيما أن الحياة غدت مترفة، وقد تناول أكثر الشعراء غرض المديح، وكأنّه أضحى غرضهم الأساس الذي سخّروا فنّهم لأجله. وكأنّ المديح صار عمل الشاعر الذي وُجد لأجله، وإذا كان الشاعر يسعى إلى من يمدحه؛ لينال منه، فقد كان الخلفاء والأمراء يسعون أكثر إلى المادحين، فمن لم يُقَل فيه شعر مذموم منعوت بالبخل (4) ولا سيما أن الشاعر حينما يمدح الذين أحبهم يكون صادق اللهجة، يعطي ما في نفسه (5) ،فمضى شعراء المديح يمدحون خليفة، أو واليًا فيتحدثون عن العدل أو العدالة التي لا تصلح حياة الناس من دونها، كما يتحدثون عن تقواهم وصدورهم
ـــــــــــــــــ
(1) تاريخ الأدب العربي (عصر الدول والإمارات) 5/ 336.
(2) ينظر: دراسات في الأدب العربي د. إنعام الجندي ص17.
(3) نفسه ص17. ... (4) نفسه ص251.
(5) نفسه259.