والوزراء يَهَبون الشعراء آلاف الدراهم والدنانير، ويُعَيِّنون لهم مرتبات، ويغدقون
عليهم إغداقًا كثيرًا حتى قيل: (حصل للأبيوردي من الملوك والأمراء ما لم يحصل للمتنبي في عصره، ولابن هانئ في مصره) (1) .
فلا عجب أن يتكاثر الشعراء، وتتنوع أغراضهم، وتتطور، فقد كان الشعر وسيلة لحياة رغدة، ولذلك قلما نرى شاعرًا من العشرات الذين ترجم لهم العماد الأصفهاني (ت597هـ) في الخريدة إلا وهو يتكسب بأشعار لعلها تفتح له أبواب النعيم، وليس هذا وحده ما دعا إلى نشاط الشعر، والتجدد في بلاد فارس، فقد كان يُعدُّ جزءًا لا يتجرأ من الثقافة العربية، التي كان الناس يعكفون عليها في شغف (2) ، فليس بعجيب أن يكون العرب أشعر من غيرهم، وأن يقولوا الشعر بالفطرة، وأن ينظمه كل عربي وعربية، لا فرق بين ملك، وأمير، وحكيم، وصعلوك، وليس بغريب أن يصل إلينا عنهم هذا الحجم الكبير مع أنه قليل من كثيرٍ ضاع في حوادث الدهر المتوالية.
لم يترك الشعراء شيئًا مما وقعت عليه أعينهم، أو سمعته آذانهم، أو اعتقدوه في أنفسهم إلا نظموه في سِمْطٍ من الشعر، حتى إننا نرى مجموع أشعارهم ديوانًا فيه من عوائدهم، وأخلاقهم، وآدابهم، وأيامهم، وما يستحسنون، ويستهجنون. ولذلك قالوا كان الشعر ديوان العرب، ومعدن حكمتها، وكنز أدبها (3) . ولا تزال مصادر الأدب صورةً ناطقة ببلاغتهم، وسحرهم، وشدة تأثيرهم، وقوة بلاغتهم، وجلالة أثره في حياة العرب، فالشعر منذ عصر ما قبل الإسلام حتى يومنا هذا هو ديوان العرب، والمصور لآمالهم وآلامهم، وحياتهم، ومشاهد الوجود بينهم، أودعوه وقائعهم، ومفاخرهم، وأحسابهم، وأنسابهم، وأيامهم، وآثارهم، وذكرياتهم، وأوصاف بيئاتهم (4) .
ــــــــــــــ
(1) معجم الأدباء17/ 263.
(2) ينظر تاريخ الأدب العربي (عصر الدول والإمارات) 5/ 570.
(3) ينظر الأدب الجاهلي ص195. (4) نفسه ص196.