لألب أرسلان، وأُعجِب به، وبشعره، فعينه كاتبًا بالديوان، وأوصله إلى الوزير نظام الملك، فاستمع إلى مدائحه فيه، ورحّب به، فتشرفتْ به الدولة السلجوقية، وتشوّقتْ إليه المملكة الأيوبية، وتنقل في المناصب والمراتب، ولم يكن في الدولتين السلجوقية والإمامية من يُماثله في الإنشاء، سوى أمين المُلْك أبي نصر العُتبي) (1) .
وفي هذا العمر تزوج الطغرائي، وما لبث الزواج طويلا، إذ تتوفى زوجه، وتترك له رضيعًا لا يزال الشاعر يجد في نفسه منه شجى عميقًا عليها، فينظم فيها مراثيه التي تفيض بالحزن المرير على شاكلة قوله (2) :
بنفسي من غاليتُ فيها بمهجتي
وجاهي، وما حازت يداي من الوَفْرِ
وفُزتُ بها من بين يأسٍ وخيبةٍ
كما استخرج الغَوَّاصُ لؤلؤة البحرِ
فجاءت كما جاء المنى واشتهى الهوى
كمالًا ونُبلًا في عفافٍ وفي سِتْرِ
فيا موتُ ألحقني بها غير غادرٍ
فإنّ بقائي بعدها غايةُ الغَدْرِ
وهي مرثية بديعة، فهو يصف حاله بعد فقدها، فقد أظلمت الدنيا في عيني الطغرائي لفقده زوجه الشابة الجملية، ولم يعد له منها سوى الأنين والدموع والزفرات، وأنه ليشيح بوجهه عن الصبر، وأجره وثوابه مفضيان إلى لوعات قلبه، وحسرات نفسه، إذ تركتْ بين جوانجه نارًا لا تنطفئ، ويظل يبكيها، وتمرُّ الأيام، وتتغير حياته، فيسلو عن زوجه الأولى، ويتزوج، ويُرزَق الولد (3) ،وهو في أثناء ذلك يعمل في دواوين السلاجقة، ويتوفى نظام الملك وتضطرب بالشاعر الحياة، فيتعرض لبعض الوزراء بالهجاء، ولبعضهم بالمدح والثناء. وتتوثّق صلته بالسلطان محمد
ــــــــــــــــ
(1) كاتب ومؤلف في الدولة الغزنوية وله كتاب (اليميني) في سيرة محمود الغزنوي قدمه الى يمين الدولة
(2) الديوان ص151 - 155. (3) ينظر: تاريخ الأدب العربي (عصر الدول والإمارات) 5/ 583.