الأوزان والقوافي:
إن الشعر العربي مظهر من مظاهر الفصاحة بين الخاصة من العرب، ومجالًا لإظهار البراعة والمهارة على مر العصور، ولا سيما بعد أن توحدت اللغة في أرجاء الجزيرة العربية، فلم يكن الشعر في مقدور كل العرب بل كان صناعة قوم من خاصتهم، مهروا فيه، وعدوه أشرف منزلة، وأعلى قدرًا من أن يكون في متناول جميع الناس والشعر وإن كان صناعة الخاصة من العرب فلا يقدر على قوله إلا القليلون منهم، قد ذاع بين الناس الخاصة منهم والعامة، يتأدبون به ويتغنون به في محافلهم ومجالسهم، وينشِئون أبناءهم على حفظه، وروايته، فلم يكن مقصورًا في إنشاده على بيئة اجتماعية خاصة، بل كان ملكًا للعرب جميعهم، يرددونه، ويكثرون من ترديده، فلاعجب إذن أن تصبح نغمته الموسيقية مألوفة للجميع، ولا سيما الأوزان الكثيرة الشيوع، فلم يكونوا يشعرون بالفرق بين النثر والشعر من ناحية القافية فحسب، بل كان نسج الوزن يوحي إلى آذانهم المرهفة بفارق آخر، بين نسج الكلام العادي وما يجري عليه شعر الشعراء (1) .والوحدة الإيقاعية في الشعر هي التي تميزه عن النثر، وهذه الوحدة تختلف من بحر إلى آخر، والوحدة تُخلق من التزام الوزن والقافية، فالتزامهما في القصيدة هو الأصل، كما هو في كل الشعر العربي إلا في الأراجيز والمسمطات. ولم يحاول أحد الخروج عن هذا التقليد؛ لأن طبيعة العصر ولا سيما العصر السلجوقي بعيدة عن مثل ذلك والشاعر المتمكن من كان يُراعي قواعد الشعر، ولا سيما إذا جدد وطور نحو الأصعب، أو ما يمكن أن يكون صعبًا بالنسبة لغيره، لأن التجديد والتطور في هذه الحال يُحسَب له، ويزيد من مشاعريته (2) . فالطغرائي مثلًا نظم قطعة محبوكة الطرفين يبدأ كل بيت بالحرف الذي ينهيه بها فيقول (3) .
ضيفٌ سرى والليل ينقض صبغه
فوق الجنوب بجنحه الفَضفاض
ــــــــــــــــ
(1) ينظر: موسيقى الشعر ص185.
(2) ينظر: الإيقاع في الشعر العربي ص11،والشعر العربي في العراق وبلاد عجم2/ 194.
(3) الديوان ص 211 - 212.