الصفحة 195 من 228

الوقت نفسه معنوي ناهيك عن الصورة الفنية التي اصطنعها الشاعر، فاقتباسه موفق؛ لأنه ناتج عن ثقافة دينية واسعة، وذوق أدبي راقٍ، مقيد بتعاليم الدين الحنيف و (الإناء ينضح بما فيه) ،فالشاعر الذي هذب منطقة بمبادئ الدين الإسلامي يظهر ذلك جليًّا واضحًا في شعره.

أو على النقيض من ذلك، قد يكون الشاعر ضعيف الدين، وقليل الحياء، فيستخف بجليل الأمور، ويُسيء إلى القيم العظيمة الراسخة التي جاء بها الإسلام، دون أن يتورع أن يكون ذلك في شعر الفحش نفسه، كاقتباس أبي الحسن البيهقي الآية الكريمة: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} (الحاقة الآية 11) (1) ، فيقول (2) :

يا خالق العرش حملتَ الورى

لما طغى الماء على الجارية (3)

وعبدك الآن طغى ماؤه

في الظّهر فاحمله على جارية

فالاقتباس هنا غير لائق، وكان الأولى به أن يجعله في غير موضع؛ لأنه أساء إلى الاقتباس نفسه.

وكان للتضمين نصيب من شعرهم، ويمكن عده نوعًا من الاقتباس، وهو فن قديم سمّاه ابن المعتز (ت296هـ) (حسن التضمين) (4) ،وحدده ابن طباطبا العلوي (ت322 هـ) بأنه (يعكس المعاني على اختلاف وجوهها، ويكون ذلك كالصائغ الذي يذيب الذهب والفضة المصوغين، فيعيد صياغتهما بأحسن مما كان عليه) (5) ، فالتضمين كما نرى عبد البلاغين القدامى في الأساس إيراد كلام الآخرين، أو شيء منه، وهو كالاقتباس من محاسن الكلام أيضًا، وترى الدكتورة فاطمة حيدر: أن التضمين أو ما أسمته (التناص) يعتمد اللفظة والجملة والفقرة والصورة والبيت حين يستحضرها

ــــــــــــــ

(1) أي علا الماء فوق كل شيء من الجبال، وغيرها زمن الطوفان.

(2) الخريدة - خراسان وهراة 2/ 99.

(3) الجارية: السفينة التي عملها النبي نوح (عليه السلام) ، ونجا هو ومن كان معه، وغرق الباقون. (تفسير الجلالين ص506) .وينظر: قصص القرآن الكريم ص46 - 47.

(4) البديع ص 114. ... (5) عيار الشعر ص 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت