كنت من قتلى ليالي هجرها
خشيت منهن أحشائي كلاما
قلت لما قتلتني في الهوى
حلت الخمر وقد كانت حراما
إن اللغة بصورة عامة قد تطورت، فهي كائن حي اجتماعي تخضع كغيرها من الكائنات الحية إلى التطور والرقي، وعدّها ابن خلدون فعلًا إنسانيًا فهي: (عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة فعل إنساني) (1) ،فلا بد لهذا الفعل الإنساني أن يتأثر، ويتفاعل وأن يخضع لحتمية التطور. وإزاء حتمية تطور اللغة أصبح المفروض من الشاعر أن يُفَجّر كل إمكانات ألفاظه، وأن يستخرج منها كل عطائها. ... وعلى الرغم من ذلك لم تتعرض وحدة القصيدة لسوء، بل ظل الشعراء محافظين عليها، وملتزمين بها حتى لو كان هنالك تباين ما بين المطلع والغرض الرئيسي والخاتمة (2) ،فالالتزام بوحدة القصيدة واضح، وهو أمر طبيعي؛ لأن شعراء هذه الحقبة وجدوا أمامهم تراثًا ضخمًا راسخًا منذ قرون سالفة، فلا بد أن يحافظوا عليه، ووحدة القصيدة العربية كانت أهم مقومات الحفاظ على هذا التراث العظيم؛ لأن:
(الشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يُطل، فيمل السامعون، ولم يقطع وبالنفوس ضمأ إلى مزيد) (3) .ولما كان تراث أية أمة لا يعدو أن يكون (مجموعًا من الخبرات التي حققتها الأمة عبر تاريخها الطويل في السياسية والأدب والاقتصاد والفلسفة وسائر العلوم الأخرى كما أنه يمثل وجدانها وعواطفها ومشاعرها وذوقها تجاه القضايا الإنسانية والجمالية فهو أذن شخصية الأمة ووجودها التاريخي ماضيًا ومستقبلا) (4) وبحكم انتمائهم القومي، فقد استلهم هؤلاء الشعراء منذ البدء قراءاتهم من هذا
ــــــــــــــــ
(1) مقدمة ابن خلدون ص 546.
(2) ينظر: شيء من التراث ص 217.
(3) الشعر والشعراء 1/ 15.
(4) العلاقة الجدلية بين الشعر المعاصر والتراث العربي ص 91 (مجلد آفاق عربية) .