(وشعر الشاميين أصح وزنًا، وأسح مزنًا وأمتن صيغةً وأحسن صبغة وأحكم مبنى، فإن العراقيين بغاية لطفهم ونهاية ظرفهم غلبت الرقة على كلامهم، حتى اعتل نسيم نسيبهم، وانماعت في ماء اللطف صناعة تربيتهم وتهذيبهم، فكأن نظمهم روح بلا شبح، وراح بلا قدح) .
ثم يقول: (لكن الطبع للعرب أغلب والنبع من الغرب أصوب وأصلب والعراق أعرب وأعرق وفضلاء الأقليمين أعيان وملء قلائدهم در وعقيان وحشو فرائدهم لؤلؤ ومرجان)
وأساليب الشعراء تتباين تباينًاشديدًا بين غرض وآخر، فيجودون أشعارهم، ويختارون لها الألفاظ والمعاني والأساليب التي تليق بكبار الشخصيات التي يمدحونهم، طمعًا في الحصول على أكبر الجوائز وأسخاها ولكن هؤلاء أنفسهم يخفقون إخفاقا شديدا ويعجزون حتى عن النظم المتماسك حين يطرقون غرضًا آخر لا ينتظر منه جائزة، ولا يراد منه الحصول على إعجاب أحد (1) كالغزل على سبيل المثال. فالأرجاني مثلًا يتغزل في مقدمات المديح، فيحسن ويجيد كقوله رئيس الدين المقرئ المخدوقي (2) :
لولا رجائي ثانيًا للقائه
ما كنت أحيا ساعة في نائه
سكن له أبدًا فؤادي مسكن
وما ملّ يومًا فيه طولُ ثوائه
ريم إذا ريم السلو لمغرم
عن حبه أعيا علاج عيائه
فتعجُّبِي إن عشت بعد فراقه
وتحسري إن مِت قبل لقائه
فأبياته تطفح بالشوق للقاء المحبوب، وإن حالته تزداد سوءًا بعد سوء لفراقه،
ويخشى أن يموت قبل أن يلاقيه وإذا جئنا إلى مقطوعات الأرجاني في الغزل
ـــــــــــــــــــ
(1) ينظر الشعر العراقي في القرن السادس الهجري ص 285. ... (2) الديوان 1/ 98 - 9.