على الاستحسان ونيل الجائزة، ذلك أن هذا الغريب أكثر ما يرد في المديح، أما إذا انساق الشاعر وراء عواطفه، وصدق هواجسه، واستجاب لنفسه فإنّه يكثر من المفردات السلسة، فالمفردة والعبارة تشكلان عنصرًا أساسيًا من عناصر الأسلوب، وتتظافر جهودهما لإبراز المعنى وجلائه (1) وهذا ما نفهمه من قول الآمدي (ت370هـ) : (وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاءً وحسنًا ورفقًا) (2) ، فالشاعر حينما ينظم شعرًا لا ينتظر منه جائزة أو إحسانًا تكون مشاعره صادقة، مع إنه قد لا تعنينًا مصداقية الشاعر بقدر ما تعنينا تلك العاطفة الجياشة، والتي رأينا أمثلة عليها في الرثاء والفخر والشكوى، كما أسلفنا، فالمدح على سبيل المثال لا الحصر قد يتحول إلى نقيضه إذا لم يحصل الشاعر على نوال من ممدوحه من ذلك قول منصور بن محمد العاصمي (3) :
وإذا الكريم نبا علي بعطفه
يومًا وأخفق لي يديه رجاء
أمسكت عن شكري له وتركته
والصمت عن شكر الكريم هجاء
ومن الشعراء من يبتعد عن المألوف الموروث في الشعر العربي فلا يتقيد بأختيار اللفظة ولا يتقيد بفصاحتها إنما يعتمد إلى المبتذل والعامي وحتى الدخيل وأكثر ما ترد هذه المفردات في شعر السخف ولكن الحديث عن البراعة اللغوية والمتانة الأسلوبية لا ينتهيان عند هذا الحد فلكل أقليم ثوبه ولكل أرض نبت أسلوبي خاص تؤثر فيه عوامل كثيرة منها البيئة ومنها الثقافية وقد تنبه العماد الأصفهاني إلى ذلك فحلل الفرق بين أسلوب الشاميين والعراقيين من ذلك قوله (4) :
ـــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: الحياة والموت في شعر عهد بني أيوب ص: 246.
(2) الموازنة بين الطائيين أبي تمام والبحتري: ص352.
(3) الخريدة - خراسان 2/ 34.وينظر: الفصل الثاني من هذه الرسالة (غرض المديح) .
(4) الخريدة القصر - بداية قسم شعراء الشام: 5 - 6.