ونجد شعراء يعظون بالتعبد، وتتسم هذه الموعظة بأنها تأتي من خلف منظار المرء، وبعد تجربته العملية، كما عبر عنها حميد الدين البلخي في عبادة الله سبحانه وتعالى، وتأكيد وحدانية قائلًا (1) :
وحكمته ما لها مُدرك
وقدرته ما لها غاية
إذا رمت نصًّا على كونه
(ففي كل شيء له آية(2 ) )
وهذا أبو حفص النسفي يحث على سماع الأحاديث النبوية الشريفة، وحفظها؛ لأنها كما يقول (3) :
كلِمُ الرسول جوامع الكلم
ولوامع الأحكام والحكمِ
فتطلبوا الأخبار واغتنموا
إن الحديث أجلّ مُغتنَمِ
والدنيا عندهم دار انتقال لا دار استقرار، والإنسان ينتهي أجله فيها بسرعة، وهذه حقيقة لا مفرّ منها؛ لذلك حث الشعراء ـ كما فعل الذين سبقوهم ـ على الكف عن المحارم، واقتراف الذنوب، كقول حميد الدين البلخي، وهو يحذر من اقتراب يوم القيامة، وأنه آتٍ لا محال (4) :
قد قامت القيامة يا أيها النيام هبوا
عن المنام وكُفّوا عن الحرام
والرمح حين يختلس القِرن في اهتزاز
والليثُ حين يفترس الصيدَ في ابتسام
ــــــــــــــــــ
(1) الخريدة خراسان 2/ 114.
(2) هذا صدر بيت لأبي العتاهية، وعجزه: تدل على أنه واحد. (ديوانه ص 70) .
(3) أبو حفص النسفي: الأمام المفسر الفقيه المحدث الصوفي، ترجمته في: الخريدة - خراسان 2/ 120 - 121. ومعجم الأدباء 16/ 70 - 71. وشذرات الذهب 4/ 115.
(4) الخريدة - خراسان 2/ 112.