وسكباجةٍ تشفي السِّقام بطعمِها
على أنها جاءت بلون سقيمِ
إذا زارها أيدي الضيوفِ تَراجعَتْ
كأيدي يسارٍ في طلال النَّعيم
كما وصفوا المدن نظرًا إلى كثرة تجوال الأدباء بينها؛ بحثًا عن الممدوحين، أو عن الوظائف، أو حبًّا في السياحة؛ فإن الشعراء وصفوها متأثرين بنوعية انطباع صورة المدينة في نفس الشاعر التي يحلُّ فيها، والدوافع المؤدية إلى هذا الانطباع، ومن ذلك قول الأبيوردي وهو يصف بغداد (1) :
بغداد أيتها المطي فواصلي
عنَقًا تئِنُّ له القِلاصُ الضُّمّرُ
إني وحقِّ المستجِنِّ بطيبةٍ
كَلِفٌ بها وإلى ذُارها أضْورُ
أرضٌ تجرُّ بها الخلافةُ ذيلَها
وبها الجباه من الملوكِ تُعَفَّرُ
فكأنها جُلِبَتْ علينا جنةٌ
وكأن دجلة فاض فيها الكوثر
وكان للحيوان ـ الأليف منه والمتوحش ـ نصيب في شعرهم، وأغرب ما وصل إلينا قول أحمشاذ بن عبد السلام يصف بغلة أهداها له الممدوح، فهي قوية، غريبة الشكل، وسريعة ومخيفة (2) :
نهضتُ أمسح جفني إذ تكشفَ لي
دهماءُ في السرج والإلجام لم تَحلِ (3)
ــــــــــــــــ
(1) القصيدة في الديوان 1/ 339 - 347.وينظر: الخريدة - خراسان 2/ 280 - 283.ومعجم الأدباء17/ 250 - 257.
(2) الخريدة - خراسان وهراة 2/ 139.
(3) الدهماء: الدهمة: السواد، يقال بعير أدهم وناقة دهماء.