ولقد كانت الشهادة شيئا محببا إلى نفسه،لكنه لا يزكي نفسه،ولا يحكم لها بالشهادة. وقبل أن يرحل الخليفة سجل وصيته الخاصة) ووصيته بالخليفة من بعده. وراح الناس يرثون شهيدهم العظيم الذي دفن إلى جوار صاحبيه رسول الله وأبي بكر.
أدرك عمر وهو يتعلم في مدرسة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الصلاة هى قرة العين،وهى الصلة بين العبد وربه،فأحب الصلاة،فأصبحت شغله الشاغل،ملكت عليه قلبه وعقله،ووجد فيها راحة نفسه واطمئنانها ...
وكان عمر يحب الصلاة في جوف الليل،ولا تشغله الخلافة بأثقالها وهمومها عن الصلاة في جوف الليل،حتى وإن نام منه قليلا،وكان يقول:"إذا نمت الليل أضعت نفسى،وإذا نمت النهار ضيعت الرعية".
ويشاء الله أن ينال عمر الشهادة وهو ساجد،فلما طعن أُغْمِىَ عليه،فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين،الصلاة قد صليت،فانتبه،وهو يقول: الصلاة .. لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة"،وصلى وجرحه ينزف دما."
كان عمر في الساعات الأخيرة من حياته،وحوله كبار الصحابة يطلبون أن يوصى بالخلافة لمن بعده،واعتذر عمر عن ذلك بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات دون أن يستخلف. وحتى يقطع الحيرة على الناس،قال عمر ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض،وسمى ستة من كبار الصحابة وهم: على،وعثمان،والزبير،وطلحة،وسعد بن أبى وقاص،وعبد الرحمن بن عوف،وجميعهم من العشرة المبشرين بالجنة،وطلب منهم أن يشهد مجلس شورتهم عبد الله بن عمر،على أن لا تكون الخلافة إليه..
وهكذا حصر عمر الخلافة في مجلس شورى من ستة من الصحابة،ليختاروا واحدا منهم..
أوصى عمر ابنه عبد الله بسداد دينه،ثم قال له:"اقتصدوا في كفنى،فإنه إن كان لى عند الله خير أبدلنى ما هو خير منه،واقتصدوا في حفرتى،فإنه إن كان لى عند الله خير أوسع لى فيها مد بصرى..".
وتروى كتب التاريخ أن عمر كتب وصية خاصة لمن يخلفه،وجعل هذا الكتاب عند عبد الله بن عمر،ليسلمه للخليفة الجديد،ومما جاء في هذا الكتاب:"أوصى الخليفة من بعدى بتقوى الله،وأوصيه بالمهاجرين والأنصار الأولين،الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم،يبتغون فضلا من الله ورضوانا،وينصرون الله ورسوله،أن يعرف لهم حقهم،ويحفظ لهم كرامتهم،وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا أن يقبل من محسنهم،ويتجاوز عن مسيئهم،وأن يُشْرِكوا في الأمر. وأوصيه بذمة الله وذمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يوفى بعهدهم،ولا يكلفوا فوق طاقتهم،وأن يقاتل مَن وراءهم".