وقد طبق الخلفاء الراشدون هذه الأحكام بأعلى وأتم ما يكون التطبيق وكسرت في عهدهم أكبر دولتين في العالم في ذلك الزمن الدولة الفارسية والدولة الرومانية وأورث الله المسلمين أرضهم وأموالهم وأنفقت كنوزهما في سبيل الله وخضعت أراضيهم لحكم المسلمين وأصبحت دار إسلام،ومن لم يسلم من أهل تلك المناطق طبقت عليه أحكام أهل الذمة وأخذت منه الجزية مقرونة بالذل والصغار كما أمر الله تعالى: (( قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ ) ) [التوبة:29] .
كما ضربوا العشور على تجار غير المسلمين إذا مروا بأرض الإسلام أما المسلمون فلا يؤخذ منهم عشور ولا ضرائب وإنما تؤخذ منهم الزكاة المفروضة،ووضع الخلفاء الراشدون الخراج على الأرض حسب التفصيلات المقررة في مواطنها. [1]
أما جزيرة العرب فقد أخرجوا منها اليهود والنصارى ولم يبق فيها إلا مسلمًا تنفيذًا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصيته في آخر حياته،فعَنْ عُمَرَ،عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللهِ لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ،وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لاَ يَبْقَى فِيهَا إِلاَّ مُسْلِمٌ [2] .،وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْصَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِثَلَاثٍ , فَقَالَ:"أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ"وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ , فَمَا أَدْرِي قَالَهَا , فَنَسِيتُهَا أَمْ سَكَتَ عَنْهَا عَمْدًا" [3] "
6-الحماس في نشر الإسلام:
وظيفة الدولة الإسلامية هي نشر الدين حتى يعبد الله وحده، ولهذا عرف ابن خلدون الخلافة بقوله: هي نيابة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.
والدولة تنفذ هذه الوظيفة بالجهاد وفتح البلدان وبالدعوة والتعليم لأوامر الدين ونواهيه وكافة أحكامه الشرعية. فحركة الجهاد والفتح العسكري لا بد أن يصحبها ويتبعها الدعاة والمعلمون ليفقهوا الناس في دينهم وهذا التلازم بين الفتح العسكري والتعليم أمر ضروري لابد منه لاستقرار الدعوة والدولة ولابد من ملاحظة التوازن المطلوب في هذا الجانب، فبقدر التوسع في الأرض يكون التوسع في الدعوة والتعليم حتى لا يختلَّ ميزان التربية وتحدث الخلخلة في الصف الإسلامي وتتوسع الفجوة بين الفاتحين وسكان الأراضي المفتوحة مما يتسبب في حدوث ظواهر سلبية تؤثر في تماسك الصف الإسلامي ووحدته السياسية والفكرية.
وقد بذل الخلفاء الراشدون ما استطاعوا في سبيل حدوث هذا التوازن بين حركة التوسع الأفقي في فتح البلدان وبين التوسع الرأسي في تعليم الناس وتفقيههم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
ولكن رغم وجود البذل والحماس في ميدان التقليم والتربية على تعاليم هذا الدين إلا أن الملاحظ أن التوسع في الأرض كان سريعا وواسعا، فقد فتحت العراق وما وراءها والشام ومصر في سنوات قليلة معدودة فلم يكن في مقدرة الطاقة البشرية في ميدان التربية والتعليم استيعاب الأعداد الهائلة من سكان تلك المناطق وتعليمها ،كما لم يكن الزمن كافيا لرسوخ التعاليم الإسلامية في نفوس كثير منهم مما ساعد ـ مع غيره من العوامل ـ فيما بعد على وجود خلخلة فكرية وظواهر سلبية دخيلة على النهج الإسلامي مما سبب ظهور الفرق والأهواء المتشعبة.
ولكنه أمرٌ قدَّره اللهُ تعالى ، ولا رادَّ لما قدَّر الله تعالى ، فعَنْ أَبِي عَامِرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُحَيٍّ ، قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ ، أُخْبِرَ بِقَاصٍّ يَقُصُّ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مَوْلًى لِبَنِي فَرُّوخٍ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: أُمِرْتَ بِهَذِهِ الْقِصَصِ ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَقُصَّ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، قَالَ: نُنْشِئُ عِلْمًا عَلَمَنَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ لَقَطَعْتُ مِنْكَ طَائِفَةً ، ثُمَّ قَامَ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ تَفَرَّقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ ، وَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ ، وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَئِنْ لَمْ تَقُومُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - لَغَيْرُ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا تَقُومُوا بِهِ"المستدرك للحاكم [4]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلا بِمِثْلٍ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ نَكَحَ أُمَّهُ عَلانِيَةً كَانَ فِي أُمَّتِي مِثْلَهُ ، إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً ، فَقِيلَ لَهُ: مَا الْوَاحِدَةُ ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي"المستدرك للحاكم [5] "
وبعد فهذه جملة من أهم المعالم البارزة في تاريخ الخلافة الراشدة أردنا بالتنبيه إليها توجيه أنظار دعاة الإسلام إلى الاستفادة من هذا التاريخ المشرق والسير على منوالهم فإنهم القوم بهم يقتدى وبهديهم وسنتهم يسلك ويتبع، والله الموفق والهادي. [6]
(1) - انظر بحث الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين
(2) - صحيح مسلم- المكنز - (4693 ) وصحيح ابن حبان - (9 / 69) (3753)
(3) - شرح مشكل الآثار - (7 / 191) (2766 ) صحيح
(4) - المستدرك للحاكم (443) صحيح لغيره
وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ كَابْنِ حَزْمٍ يُضَعِّفُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبِلُوهَا وَصَدَّقُوهَا .مجموع الفتاوى لابن تيمية - (16 / 491)
(5) - المستدرك للحاكم (444) وسنن الترمذى- المكنز (2853) صحيح لغيره
(6) - انظر Cd مجلة البيان