ولعل الحسن ـ رضي الله عنه ـ ظل حياتَه كلَّها يتمنى تحقيق هذه البشارة،وظهر هذا من نصائحه المتكررة لوالده بترْكِ القتال.
وعندما بايع الناس الحسن على الخلافة اقتربت هذه البشارة من التحقق،وظهرت ملامح السلام في بيعته،وبوادر تحقيق بشرى النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ له.
وما هي إلا أيام قليلة حتى كان الصلحُ بينه وبين معاوية،وحقْنُ دماء المسلمين،ودخولُ الناس جميعا في الجماعة في ظل بَيْعةِ أميرٍ واحد.
وقد مدحه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على صنيعه هذا قبل أن يصبح واقعا،إذْ ترك سلطان الدنيا الفانية رغبة في آخرة هي خير وأبقى،وحقنا لدماء هذه الأمة،فنزل عن الخلافة،وجعل المُلْكَ بِيَدِ معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد،وسمي ذلك العام"عام الجماعة".
كان تسليم الحسن الخلافةَ لمعاوية محققا لبشارة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ له؛ إذْ هو السيد الذي أصلح الله به بين طائفتين عظيمتين،كذلك كان به انقضاء دور الفتن والشقاق الذي كان مبدؤه من النصف الثاني من خلافة عثمان.
وقد استمرت الفتنة مشتعلة بضع سنوات،ولو كانت في أمة أخرى لهدمت أركانها،وقوضت بنيانَها،ولكن الله الرحمن الرحيم نظر إلى دينه القويم بعين عنايته،وبعظيم رحمته،وبجميل لطفه،فألّف قلوب أهله،وحفظه كما وعد.
وكان عقد البيعة من الحسن لمعاوية في ربيع الأول،أو الآخر سنة إحدى وأربعين،وحرص الصحابة من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان على جمع الكلمة،ونبْذ الفُرقة،والدخول في الجماعة،فسُمّي ذلك العام عامَ الجماعة؛ لدخولهم جميعا في طاعة أمير واحد،واجتماعهم بعد الفُرقة،ولاستئنافهم الجهادَ وتفرغِهم للفتوح ونشر دعوة الإسلام،بعد أن عطّل قَتَلَةُ عثمان سيوفَ المسلمين عن أداء هذه المهمة خمسَ سنوات،كان يستطيع المسلمون أن يسجلوا فيها أمجادا كبعض الذي حققوه من قبل في ظل الخلافة الراشدة.