الصفحة 252 من 604

مَلَّ أميرُ المؤمنين عليٌّ أهلَ العراق وسئِم إمارتَه عليهم،حتى صرّح لهم بذلك في كثير من خُطَبِه،وتمنّى من الله الموتَ إذا كان خيرًا له؛ لأن الفتن عظم أمرُها من حوله.

وفي سنة أربعين من الهجرة تحقق ما صَبَتْ إليه نفس الإمام؛ إذ اجتمع ثلاثةٌ من الخوارج وخطَّطوا لقتْله وقتل معاوية وعمرو بن العاص،وبيَّتُوا لذلك،وبينما الخليفة الإمام يقترب من باب المسجد،وقيل: بل وهو يتهيأ للصلاة،بعد أن عبر شوارع الكوفة يُوقِظ أهلَها لصلاة الفجر،ويُنادِيهم بصوته الجليل:"الصلاةَ،أيها الناس،الصلاةَ،يرحمكم الله"! اقترب منه في لجّة الظلام واحد من الخوارج اسمُه عبد الرحمن بن مُلْجَم مُنفِّذًا جريمتَه،وكان الإمامُ بلا حرس،فكان اغتياله عملا يسيرا.

ولم تكن الجريمة تتطلب أي جَلَدٍ أو قوة أو بطولة،إنما كانت تتطلب ضميرا ميتا وتفكيرا ضالا،وقلبا أعمى،وهوى مُتَّبَعًا،وإرادةً سَلِيبةً..!!

وفرغ الناس من صلاة الفجر،وجاءوا إلى أمير المؤمنين مسرعين،وأتوه بقاتلِه ابنِ مُلجم ماثلًا بين يديه،فقال لهم: إن مُتُّ فاقْتُلوه كما قتلني،وإن بقِيتُ رأيتُ فيه رأيي،ونهاهم عن المُثْلة به،ثم سألوه أن يَستخْلِف عليهم،ولكنه أبَى ذلك،ثم دعا بَنِيهِ وعلى رأسهم الحسنُ والحسينُ،وراح يملي عليهم وصيتَه.

كان الاعتداءُ على حياة الإمام قد وقع فجر يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة،وكانت وفاته يوم الأحد التاسع عشر من شهر رمضان،لتنتهي بذلك دولة الخلفاءِ الراشدين،ولتبدأ دولة المُلك الموروث.

وقد غسّل أميرَ المؤمنين ابناه الحسنُ والحسينُ وعبدُ الله بن جعفر،وكفنوه وصلَّوْا عليه ودُفن،لكن قبره مجهول المكان.

لما احتضر عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ جعل يُكثِر من قول لا إله إلا الله،لا يتلفظ بغيرها،وقيل: إن آخر ما تكلم به هو: ( فمَن يعملْ مِثْقَالَ ذرَّةٍ خيرًا يَرَه. ومَن يعملْ مِثْقَالَ ذرَّةٍ شَرًا يَرَه ) .

وقد أوصى ولديْه الحسنَ والحسينَ بتقوى اللهِ والصلاةِ والزكاةِ،وكظمِ الغيظِ وصلةِ الرحِمِ،والحِلمِ عن الجاهل،والتفقّهِ في الدين،والتثبّتِ في الأمر،والتعاهدِ للقرآن،وحُسْنِ الجوارِ،والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر،واجتنابِ الفواحش،ووصّاهما بأخيهما لأبيهما محمدِ بنِ الحنفيةِ خيرًا.

ووصّى ابنَه محمدا بما وصّاهما به،وأنْ يعظّمهما،ولا يقطع أمرا دونهما،وكتب وصيته كلَّها في كتاب،ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قُبض في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة.

وبالرغم من أن عليا أبى أن يوصي بالخلافة من بعده إلى ابنه الحسن أو غيره،إلا أن أهل العراق بايعوا الحسن بالخلافة بعد موت علي ـ رضي الله عنه.

15-تنازل الحسن بالخلافة لمعاوية رضي الله عنهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت