لمعاوية: ندعوهم لكتاب الله أن يكون حَكَمًا بيننا وبينهم. فأمر معاوية برفع المصاحف على أسِنَّة الرماح،ونادى المنادي: هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم،مَنْ لِثُغور أهل الشام بعد أهل الشام! مَنْ لِثُغور أهل العراق بعد أهل العراق!! فلما رأى الناس المصاحف قد رُفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب (أي نرجع) إليه.
وكان ممن دعا إلى ذلك ساداتٌ من الشاميين،فقام عبد الله بن عمرو بن العاص في أهل العراق،فدعاهم إلى الموادعة والكفِّ وترك القتال والائتمارِ بما في القرآن،وذلك عن أمر معاوية له.
وأرسل رجل إلى عليٍّ بذلك، فقال عليٌّ:"نعم،أنا أوْلى بذلك،بيننا وبينكم كتابُ الله". فجاءه السبئيَّة يعترضون على الصلح ويريدون القتال؛ ولكنه أرسل الأشعث بن قيس إلى معاوية ليتحرَّى الأمرَ، فأتاه فقال: يا معاوية،لأيِّ شيءٍ رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله ـ عز وجل ـ به في كتابه، تبعثون منكم رجلا ترضونه، ونبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يَعْدُوانه،ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال له الأشعث بن قيس: هذا الحق، فانْصرفَ إلى عليّ، فأخبره بالذي قال معاوية؛ فقال الناس: فإنَّا قد رضينا وقبِلْنا، فقال أهل الشام: فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص. واختار أهل العراق أبا موسى الأشعري..
فتفرق أهل صِفّين حين حُكِّمَ الحَكَمَان، وكُتب في ذلك كتاب، واشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفضا ما خفضَ القرآنُ، وأن يختارا لأمة محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ،وأنهما يجتمعان بدُومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذْرُح، وكان ذلك لثلاث عشرة ليلةً خلَتْ من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة.
وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب، يقرؤه ويعرضه على الطائفتين،ثم شرع الناس في دفْن قتلاهم وإطلاق الأسرى.
لما حل شهر رمضان سنة سبع وثلاثين أرسل عليٌّ أبا موسى الأشعري حَكَما عنه في أربعمائة رجل،عليهم شريح بن هانئ الحارثي،ومعهم عبد الله بن عباس يصلِّي بهم ويَلي أمورهم،وبعث معاوية عمرَو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام وعليهم شُرَحْبِيلُ ابن السّمط،فتوافَوْا بدُومَة الجَنْدَل بأذْرُح،وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام،وشهد معهم جماعة من رءوس الناس: كعبد الله بن عمر،وعبد الله بن الزبير،والمغيرة بن شعبة،وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
فلما اجتمع الحَكَمان تراوَضَا على تحقيق ما فيه مصلحة للمسلمين،ونظرا في تقدير أمور،وأخذا يتباحثان.. وقد قرر الحكَمان ومن معهما من كرام الناس عزلَ معاوية عن منصبه في الشام،وأن يُوكَل أمر النظر في إمامة المسلمين إلى كبار الصحابة وأعيانهم،مع استمرار سلطان عليٍّ على ما تحت يده،ويبقى معاوية متصرفا فيما تحت يده حتى يتم نظرُ الصحابة،ولكن لم يَلْتَقِ الصحابة لتنفيذ ما اتفق عليه الحكَمان.