والتنبؤ،قاتلوا وصبروا مثل صبرهم الأولِ،حتى منّ الله عليهم بنصره،ولولاهم بعد فضل الله تعالى - ما كان فتح ولا غزو،وهم قادة الجيوش الفاتحة،ولولاهم بعد كرم الله تعالى - ما كان فيء ولا غنيمة.
وبرغم ذلك،فقد أدى توزيع العطاء على أساس السابقة في الإسلام والقرابة من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى إثارة ضغائن القبائل،التي نظرت إلى قريش على أنها استأثرت بالحكم والثروة معا،خاصة أنه لا ينكَر فضل هذه القبائل في الجهاد والغزو وتوفير الغنائم والفيء في حروب فارس والروم.
وقد كان أمير المؤمنين الملهَم عمر يشعر بذلك،فكان يرى إمكانية التسوية بين الناس في العطاء بأن يزيد في عطاء الأقل ليلحق بالأكثر،وعبر عن ذلك بقوله:"والله لئن بقيت إلى العام المقبل لأُلحقن آخر الناس بأولهم،ولأجعلنهم رجلا واحدا".
ولكن عمر لم يعش لينفذ خطته تلك،وورث عثمان تلك الأوضاع التى تفجرت في منتصف خلافته على نحو شديد القسوة.
إن تغيرا كبيرا طرأ على حياة الناس بعد السنوات الأولى من عصر أمير المؤمنين عثمان؛ فالفتوح توقفت تقريبا؛ لأنها كانت قد وصلت إلى حد يجب أن تقف عنده قبل أن تُستأنف،فلما توقفت ظهر تأثير طبقة جديدة من الناس على مسرح الحوادث،هي طبقة الأعراب الذين ارتدُّوا من قبل عند وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
وقد كان أبو بكر بعيدَ النظر جدا حين رفض أن يرسل هؤلاء للمشاركة في الفتوح بعد أن رجعوا إلى الإسلام. وكان عمر بعيد النظر أيضا حين تشدد في منع إرسالهم ولم يتساهل إلا في أحيان،وكان لا يؤَمِّرُهم. أما عثمان التقي الحَيِيُّ فقد اضطر إلى إرسال القبائل البدوية إلى الفتوح،ومعظمها من أهل الردة،وأحسن الظن بهم،فقد توسعت رقعة الفتح حتى لم يكن ممكنا أن يعتمد الفتح على الصحابة وحدهم مع القبائل التى حَسُنَ إسلامها وتمسكت بالدين.
4-بداية الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه وأسبابها الخفية
ووجد عثمان الحاجة ماسَّة لإشراك القبائل البدوية في تثبيت الفتوح التي أتمها السابقون الصادقون،فهرولوا إليها وهمهم الغنيمة والمال والرقيق. ولئن كان في تاريخ الفتوح عيب أو ملمَزٌ فإنه يأتي من هؤلاء،ولا يأتي من السابقين الأولين الذين ذهبوا إلى الفتوح نصرةً للدين وتأييدا له،لا سعيا وراء غنيمة،أولئك الذين قتل منهم في المواقع والحروب عدد كبير من سادتهم وفضلائهم،ولم يكن هناك بعد غنائم يطمعون فيها؛ بل عدو هائل القوة يُخْشَى فتكه وقوته.
وبدأ دور قبائل الأعراب ينمو،وتشعر بقوتها وقيمتها في المجتمع،وأصبحت كل قبيلة ترى أن دورها لا يقل عن دور قريش في الفتوح،وأخذوا يبحثون لأنفسهم عن دور على مسرح الأحداث،وفي صنع القرار،فظهرت العصبية القبلية من جديد،وأخذت نقمتهم على قريش ومكانتها تزداد يوما بعد يوم.