وقال ابن قتيبة - رحمه الله - يصف الحال في أيام السلف ـ عليهم الرحمة والرضوان ـ: «كان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح، وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع؛ فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع وفيما قد انقرض.. وصار الغرض فيه إخراج لطيفة، وغوصًا على غريبة، وردًا على متقدم.
وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى؛ فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر؛ فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق، قادهم الهوى بزمام الردى.. » (8) .
فلما وقع الناس في الجدل تفرقت بهم الأهواء، قال عمرو بن قيس (9) : قلت للحكم بن عتبة (10) : ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات (11) .
وقد روي عن أبي قلابة - وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - ـ: لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون (12) .
قال معن بن عيسى: «انصرف مالك بن أنس ـ - رضي الله عنه - ـ يومًا من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الحورية، كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا عبد الله! اسمع مني شيئًا أكلمك به، وأحاجك وأخبرك برأي.
قال: فإن غلبتني!
قال: إن غلبتك اتبعني!
قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟
قال: نتبعه!
فقال مالك - رحمه الله: يا عبد الله! بعث الله - عز وجل - محمدًا - - صلى الله عليه وسلم - - بدين واحد، وأراك تنتقل من دين إلى دين».
وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وجاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد! تعالَ حتى أخاصمك في الدين! فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني؛ فإن كنت أضللت دينك فالتمسه (1) !