فهرس الكتاب

الصفحة 757 من 1019

فهو ينظر لجميع الناس بالمنظار الأسود؛ فأفهامهم سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وأعمالهم خاطئة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع من إنسان خيرًا كذّبه أو أوَّله، وكلما ذُكر أحد بفضل طعنه وجرحه، اشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، فضلًا عن الأعمال والظواهر، والمصادرة للآخَر قبل معرفة رأيه، أو سماع حجته (3) ، ثم هو لا يتوقف عند هذا الحد، بل لسان طليق في أعراض إخوانه، بسبهم، واتهامهم، وتجريحهم، وتتبع عثراتهم، فإن تورع عن الكلام في أعراض غيره من الفضلاء سلك طريق الجرح بالإشارة، أو الحركة؛ بما يكون أخبث وأكثر إقذاعًا، مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح الوجه، والتغير، والتضجر (4) ، «وأنت ترى هؤلاء الجُراح القُصاب، كلما مر على ملأ من الدعاة اختار منهم (ذبيحًا) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المرة، تمرق من فمه مروق السهم من الرمية، ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان! » (5) .

(رابعًا) : حب الظهور بالجدل والمماراة:

ويكون دافع ذلك في الغالب هوى مطاعًا، وقد يكون قلة الفقه أو الفراغ وترك الاشتغال بما ينفع.

وقد روى الإمام أحمد (6) وغيره عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - - صلى الله عليه وسلم -: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ، ثم قرأ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] .

قال الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة ـ - رحمهما الله: «الخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة، لو كانت فضلًا لسبق إليها أصحاب رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - وأتباعهم؛ فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر، وقال الله ـ - تعالى -ـ: {فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20] ، ولم يأمره بالجدل، ولو شاء لأنزل حججًا، وقال له: قل كذا وكذا» (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت