قضية الوضع الا ان هذا البحث لا يمثل بحثًا في النشأة اللغوية للانسان فقط كما اخذه الدكتور ابراهيم انيس على الاصوليين [1] ، وانما هو بحث غايته تحديد الدلالة الاولى للالفاظ وطبيعتها من حيث السمات التي تتسم بها ويمثل اصلا دلاليا ترتد اليه كل صياغة مجازية او كل انحراف دلالي عن تلك الدلالة الاصل لقياس مدى ذلك الانحراف وبالتالي تحديد دلالتها الجديدة. ولكن هذه الدلالة ما دامت لم تكن للفظ وتصبح لها هذه السمات الا بالمواضعة كان هذا الترابط بين البحث في قضية الوضع والبحث في الحقيقة لتعيين هذه الدلالة للفظ اذ تمثل محور البحث الدلالي عند السرخسي والاساس في دراسة المعنى وتحليل النصوص والى ذلك يشير بقوله:- (والمطلوب بكل كلمة عند الإطلاق ما هي موضوعه له في الاصل فيترجح ذلك حتى يقوم دليل المجاز ... ولهذا قلنا لو حلف ان لا يأكل من هذه الشجرة او من هذا القدر لا ينصرف يمينه إلى عينها وانما ينصرف إلى ثمرة الشجرة وما يطبخ في القدر لان الحقيقة مهجورة فيتعين المجاز) [2] . فتحديد معنى النص يبدأ من تحديد المعنى الحقيقي لألفاظ (الشجرة) و (القدر) وحين وجد ان هذا المعنى لا ينسجم مع المعنى الحقيقي لفعل الاكل بدليل عقلي، صرف دلالة هذين اللفظيين إلى معنى مجازي اخر ذي صلة بالمعنى الحقيقي ليستقيم معنى النص، وتمثل هذه الصلة علاقة ارتباط بين المعنى الاول والمعنى الثاني الذي تحدد دلالته من خلال هذه الصلة.
وتبدو اهمية دور الدلالة الأولى للألفاظ من خلال تأصيلها للاستعمالات الحقيقية والمجازية وكذلك في رصد ما يطرأ على اللفظ من تغير دلالي على مر الزمن وكذلك فان البحث في الحقيقة والمجاز هو بحث في الدلالة الاساسية والدلالة الهامشية وهذا ما يستدعي تحديد الدلالة الاولى للألفاظ وعليها كذلك يبني السرخسي موقفه من أقسام الحقيقة العرفية والشرعية.
(1) ينظر دلالة الالفاظ (ابراهيم انيس) : 128.
(2) اصول السرخسي: 1/ 172.