ويقصد بالتبادر سبق المعنى إلى إفهام اهل اللغة من نفس اللفظ مجردًا عن كل قرينه [1] ، فعندما نسمع كلمة شجرة مثلا يحضر في الذهن معنى النبتة المعلومة ذات الساق والاغصان والاوراق ونحو ذلك من مميزات هذا المعنى عن المعاني الأخرى من دون ان يعتمد حضور هذا المعنى في الذهن على قرينه محققة لذلك الحضور.
اما معنى الاطراد هو (استعمال الفظ في معنى معين في موارد مختلفة بدون قرينه وهو وان كان فرع التبادر الا انه مؤكد للحقيقة، لانه مجموعة تبادرات ينتفي بها احتمال القرينة الخفية على مراقب استعمال اللفظ عند اهل اللغة) [2] .
وتقييد السرخسي في تعريف الحقيقة للشيء الذي يوضع له اللفظ بان يكون (معلومًا) دليل يوحي بادراكه لاهمية هاتين السمتين في تحديد مفهوم واضح للحقيقة مما يجعل تعريفه اكثر دقة وشمولًا في عرض مفهوم الحقيقة من تعريف كثير من الاصوليين كالبصري والجويني والامدي واكثر انسجامًا مع طبيعة اللغة وكيفية نشوء الارتباط بين اللفظ والمعنى. فلكي يكون الشيء معلومًا يتطلب له وجودًا ماديًا او متصورًا ذهنيًا عنه، وان يكون العلم به شائعا بين المتعارفين وبعد ان يختص اللفظ بذلك الشيء المعلوم من خلال عملية المواضعة يكتسب اللفظ سمة التبادر لان ما يدل عليه معلوم وهذا ما يتطلبه التبادر فالعلم بالشيء يوثق ارتباط اللفظ بالمعنى من خلال دوره في استكمال عملية المواضعة ويمكن اللفظ من ان يستدعي المعنى إلى الذهن او العكس من دون قرينه بسبب علاقة معينة تنشأ من ارتباط الكلمات بالأشياء يمهد لها العلم بالشيء.
وعلى هذا يمكن القول ان سمتي التبادر والاطراد ومنشأهما عملية المواضعة ومحورهما انتقاء القرينة تؤصلان حقائق الالفاظ، فمن خلالهما يمكن لنا التمييز بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ولذلك فان موضوع البحث في الحقيقة ينطلق من
(1) ينظر: ارشاد الفحول: 1/ 104 او 105، ودراسات في اصول الفقه: 1/ 78 - 79.
(2) تم افادة التعريف من (مفتاح الوصول إلى علم الاصول) : 1/ 247.