وكذلك للجمع، وليس ذلك للتثنية انما لها علامة مخصوصة فعرفنا ان المثنى غير الجماعة، ولما وضعوا للمثنى لفظا على حدة فلو قلنا بان للمثنى حكم الجماعة لكان اللفظ الموضوع للثلاثة على خلاف الموضوع للمثنى تكرارا محضا وكل لفظ موضوع لفائدة جديدة، الا ترى ان بعد الثلاث لم يوضع لما زاد عليها لفظ على حدة لما كانت صيغة الجماعة تجمعها، وكذلك اللفظ المفرد والتثنية يذكر من غير عدد يقال: رجل ورجلان ثم يذكر مقرونا بالعدد بعد ذلك، فيقال ثلاثة رجال واربعة رجال ولا يقال واحد رجل ولااثنان رجلان) [1] .
ونلاحظ ان الحجج التي يوردها السرخسي تتنوع لتشكل احاطة بجميع جوانب المعنى ولتوكد حقائق مختلفة تصب جميعها في غاية واحدة هي اثبات خصوصية السمة العددية لكل صيغة من المفرد والمثنى والجمع وجميع هذه الحجج مستمدة من طبيعة اللغة وخصائصها وقوانينها سواء على مستوى الوضع للالفاظ او على مستوى الاستعمال المتمثل بالاداء الكلامي للجماعة اللغوية.
فعلى مستوى الوضع للالفاظ يؤكد السرخسي اصالة المعنى الحقيقي لكل صيغة من خلال الوقوف على سمة من سماته تجسدت في امكان نفي معنى الجماعة عن المثنى واذ يمثل هذا تناولا لجانب الدلالة اللغوية الوضعية من قبل السرخسي فهو لم يغفل عن الالمام بالجانب الصرفي للالفاظ والذي اشار اليه بان دلالة صيغ المثنى تكون بوساطة علامة مقطعية بينما تستقل صيغ المفرد والجمع ببناء صرفي خاص بكل منهما فاحاط بذلك بمستويين من دلالة الالفاظ، الدلالة المعجمية والدلالة الصرفية وليعزز بذلك التوافق من الحكمة من عملية المواضعة في اللغة ويقى ضمن اطار قوانينها اذ يمثل هذا نهج السرخسي في مباحثه اللغوية من الميل الى ارجاع جميع المسائل واقامتها على اصولها الوضعية اللغوية.
اما على مستوى الاداء الكلامي فيبدو ذلك في استشهاده بقول الرسول (ص) ويمثل هذا القول صورة نموذجية للاداء الكلامي للغة حيث يمكن عده اصلا من
(1) اصول السرخس ي: 1/ 151.