الصفحة 22 من 195

) [1] ، كما يبدو من النص ايضا ان الغاية الدلالية من عملية المواضعة تبنى عند السرخسي على اساس من تدبر الامور تقتضيه الحكمة المرافقة لكل عملية خلق يتمثل ذلك في مبدا اقتصادي يدرك محدودية الالفاظ لمحدودية الاصوات المتالفة منها مع كثرة المعاني وعدم محدوديتها لذلك فان عملية تخصيص الالفاظ بالمعاني في المواضعة تشكل قوانينها وتنظيمها على وفق مراعاة تلك الغاية الدلالية التي تمثل ضرورة وجود المواضعة في سبيل شمول وتحقيق النموذج الامثل للتعبير باللغة.

ويمكن القول بعد ذلك ان الغاية الدلالية الناتجة عن عملية المواضعة او (الفائدة المطلوبة باصل الوضع) على حد تعبير السرخسي تتحقق وفق مرحلتين تجريان في وقت واحد وتتوالد احدهما عن الاخرى الاولى هي استدعائها للمواضعة كاقتضاء للدلالة اذ لولا المواضعة لا يمكن للغة ان تكون دالة، والثانية هي استحالتها الى قانون ينظم عملية التخصيص جوهر المواضعة اذ ان (الفائدة المطلوبة باصل الوضع) ستؤول الى وسيلة اختبارية لفحص صحة الاختصاص الحاصل بين الالفاظ والمعاني في اللغة اذ لا يقترن الدال بمدلوله الا وفقا لتحقق الفائدة باصل الوضع.

ان هذا الفهم للعلاقة بين السمة الدلالية للغة وبين المواضعة جعل السرخسي يتخذ من الوضع في بعض مسائله دليلا اصوليا [2] ، مثل رده لقول بعض اصحاب الشافعي في معنى الجماعة بقوله: (ولما وضعوا للمثنى لفظا على حده، فلو قلنا بان للمثنى حكم الجماعة لكان اللفظ الموضوع للثلاثة على خلاف الموضوع للمثنى تكرارا محضا، وكل لفظ موضوع لفائدة جديدة، الا ترى ان بعد الثلاث لم يوضع لما زاد عليها لفظ على حده لما كانت صيغة الجماعة تجمعها) [3] .

فالوضع يمثل المعيار الدلالي الاول لتحديد معاني الالفاظ سواء من حيث دلالة الصيغة الوضعية لها او من حيث الاستعمال بدلالتها الحقيقية او خروجها الى المجاز وكذلك في تحديد معانيها ضمن السياق والتركيب الذي ترد فيه بما ينسجم

(1) التفكير اللساني في الحضارة العربية: 128.

(2) ينظر: الوضع والاصطلاح: 29.

(3) اصول السرخسي: 1/ 152، وينظر: 1/ 126، 180 - 183 او 1/ 198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت