ثم كما ان العبارات لا تقصر عن المعاني فكذلك كل عبارة تكون لمعنى خاص باعتبار اصل الوضع، ولا يثبت الاشتراك فيه الا بعارض) [1] .
ولما كانت هذه العبارات هي مفردات اللغة فان قضية الوضع عند السرخسي تنتقل من اشكالية البحث في نشاة اللغة الى دورها في منح اللغة قدرتها الابلاغية كجهاز اعلامي يتصف بالسعة والشمول والتماسك عند ذلك تدخل قضية الوضع مجال البحث اللغوي بعامة والدلالي بخاصة اذ تستحيل اللغة كظاهرة مجردة الى اداة دلالية لها كامل القدرة على التعبير بفضل تخصيص المواضعة بجميع مكوناتها بالمقاصد من دون أي قصور في الافهام، فلولا المواضعة لم يصح للغة ان تكون ادلة تفهم بها الاغراض ويقع بها التخاطب، فالمواضعة مصححة للغة بمعنى انها تضفي عليها وجودها الشرعي وهي مخصصة لها باعتبار انها مفتاح العلامة بين الحدث اللساني وشحناته الدلالية [2] . بفعل تخصيصها للالفاظ بالمعاني وان يكون لكل مقصود عبارة تختص به، وتمثل معاني هذه العبارات دلالتها باصل الوضع أي الدلالة الحقيقية لها فاذا علمنا ان الحقيقة عند السرخسي هي (اسم لكل لفظ هو موضوع في الاصل لشيء معلوم) [3] أي لابد من وجود الشيء الذي يخلق المتصور الذهني عنه (المقصود) لدى المتكلم الذي يوضع اللفظ للدلالة عليه، وهذه الالفاظ بمجموعها هي اللغة فتصبح اللغة بفضل المواضعة وعبر هذه الثلاثية التي يضعها السرخسي (اللفظ، الشيء، المعنى) (الموسسة الدلالية المغنية عن حضور الاشياء المسميات، والممكنة من الحديث عما لا يظهر للحس من مسميات مجردات ... فتكون العلامة اللسانية هي الشهادة المثلى على كل غائب) [4] فتكتسب اللغة افضليتها بين جميع وسائل التعبير والتواصل.
(1) المصدر نفسه: 1/ 16.
(2) ينظر: التفكير اللساني في الحضارة العربية: 130.
(3) اصول السرخسي: 1/ 170.
(4) التفكير اللساني في الحضارة العربية: 130.