اما في المفسر فبالاضافة الى هذه المهمة، فان قرائنه تعمل على التحديد الدقيق لهذا المعنى المسوق اصالة بتخصيصه بما يشير اليه من خلال تخصيص دلالة الفاظ الجملة تلك الالفاظ التي يمكن ان تجعل من دلالة الجملة دلالة عامة وواسعة وغير محددة، فقرائنه تكون بمثابة محددات دلالية دقيقة للمعنى وللكيفية التي استعملت بها الكلمة.
وهنا يقدم لنا السرخسي تدرجات لاثر السياق في تحديد المعنى اذ نلاحظ ان عمل السياق في مستويات الوضوح السابقة العرض (الظاهر والنص والمفسر) ينتقل من الدلالة العامة للنص الى الدلالة الخاصة بالفاظها أي من مرحلة الكشف عن المعنى العام الى التحديد الدقيق له. اذ نلاحظ انه كلما طالت قرائن السياق باثرها دقائق الجملة بكل مستوياتها اللغوية استطعنا الحصول على دلالة اكثر وضوحا ودقة أي استطعنا ان نوظف السياق لخدمة مكونات الجملة ودقائقها بكل مستوياتها اللغوية وهممنا قرائنه بها كلما خرجنا بدلالة اكثر دقة من المستوى السابق فتنتقل من مستوى الظاهر في المعنى الى مستوى النص الى مستوى المفسر في المعنى، وقد تعتمد هذه الدقة على طبيعة القرينة وقوة اثرها في المعنى فان القرائن متفاوتة في ذلك الاثر ولكن قد يكون لنمط تلك القرينة وطبيعتها علاقة بتحديد قدرة فعلها وتاثيرها الدلالي وبالتالي تحقيق مستوى اكثر دقة في المعنى، وهذا ما سنجده في عرضنا للمحكم.
المحكم
هو (ما دل بصيغته على معناه الواضح المقصود اصالة، وسيق الكلام لاجله دون ان يحتمل تأويلا او نسخا) [1] .
اما السرخسي فقد اشار اليه بقوله: (فالمحكم ممتنع من احتمال التاويل، ومن ان يرد عليه النسخ والتبديل، ولهذا سمى الله تعالى المحكمات ام الكتاب: أي
(1) كشف الاسرار:1/ 51، ينظر المسودة:161 - 162، تسهيل الوصول (المحلاوي) :86 - 87، خلاف 195 - 196.