صياغة ما للكلام مضمنا فيها قصده الذي يريد التعبير عنه، غير ان هذه الصياغة المتضمنة لذلك القصد برغم ما تحمله من مستوى الغموض تكون موجهة على وفق سعة افق المخاطب ومستوى ادراكه الثقافي والعقلي الذي تشكله المعلومات المشتركة بين المتكلم والمخاطب واطلاع الاخير ومعرفته بالنصوص الشرعية من قران وسنة فضلا عن الجانب الاجتماعي للغة، أي ان غموض المعنى في نص المتكلم ينشا على اساس امكان استمداد دليل البيان الموضح له من قدرات المخاطب المعرفية بمعنى ان للمخاطب ومستواه الثقافي الدور الاكبر في ايضاح هذا المعنى وعلى عاتقه يقع الجزء الاكبر من مهمة ازالة غموض النصوص مما يستدعي ان يكون مفسرو النص من نمط خاص من حيث امتلاكهم لاليات تحديد المعنى وهم الراسخون في العلم [1] ، وان لم يكن كذلك فان الغاية الخطابية لهذه النصوص في غموضها هو ابتلاء ايمان العباد باعتقاد الحقية في هذه النصوص الغامضة مما يدفع الى خلق هذا النمط من المفسرين الذي يمتلك القدرة على رد النصوص الغامضة على الواضحة لازالة غموضها والاحاطة بجميع ظروف وملابسات النص حيث يرى السرخسي ان (الكل لو كان ظاهرا جليا بطل معنى الامتحان ونيل الثواب بالجهد والطلب، ولو كان الكل مشكلا خفيا لم يعلم منه شيء حقيقة فاثبت الشرع هذا التفاوت في صيغة الخطاب لتحقيق معنى الامتحان واظهار فضيلة الراسخين في العلم وتعظيم حرمتهم) [2] .
إن هذا التفاوت الدلالي في وضوح النصوص أو غموضها يجعل النصوص ذات مساحات دلالية واسعة بتعدد إشاراتها الدلالية نتيجة لهذا التفاوت، وباتساع هذه المساحة فإنها تجعل حيز عمل المخاطب في تفسيرها اكثر سعة أيضا الذي يعتمد على اتساع أفق المخاطب مما يقتضي تمكنه من استحضار قرائن دلالية مبينة للمعنى متعددة وكثيرة بمعنى اتساع مجال عمل السياق بسبب من اتساع
(1) آل عمران:7.
(2) اصول السرخسي:1/ 169 - 170.