وتبدو اهمية السياق في غموض الدلالة من حيث انه يكون ذا فاعلية حيوية كلما وجد في الكلام خفاءا او غموضا فهو لايجد نفسه مع الصيغ الثابتة والعبارات الوضعية لسهولة تعيين دلالتها، حيث ان الغموض يعني تعدد الاحتمالات الدلالية للفظ او حاجة المعنى الى شرح، وهذه هي مهمة السياق في تحديد المعنى المخصص للكلمة من بين احتمالات عديدة او توفير القرائن الشارحة للمعنى [1] .
ولتعلق الاحكام الشرعية بحياة الناس في معاشهم ومعادهم جاءت دراسة الاصوليين للالفاظ من حيث الوضوح والخفاء متسمة بالجدة والتميز وبالطابع العملي لانهم ادركوا وجوب ان تكون الالفاظ واضحة قاطعة الدلالة على الاحكام، فنبهوا على ان المعنى تابع لقصد المتكلم الذي يعني عندهم الشارع المقدس وقصده يتضح بالقرائن الكثيرة المحتفة بالنصوص الشرعية، وليس بالالفاظ وحدها، وهو ادراك سابق لما يعنيه اصحاب نظرية السياق حديثا [2] .
اما الواضح الدلالة والغامض الدلالة عند السرخسي فينقسم على وفق ما ذكرناه من تقسيماتها عند الحنفية حيث يفرد لها بابا يسميه (باب اسماء صيغة الخطاب في استعمال الفقهاء واحكامها) ويقسمها الى (اربعة: الظاهر والنص والمفسر والمحكم، ولها اضداد اربعة: الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه) [3] .
ان اول ما يلفت انتباهنا من وجهة نظر سياقية في عنوان السرخسي هو تسميته لهذه الصيغ بـ (صيغة الخطاب) وهذا يعني ادراكه الى ان (يكون انتاج الدلالة فعلا مشتركا بين النص والقارئ، ويكون من ثم فعلا متجددا بتعدد القراء من جهة، ومتجددا باختلاف(ظروف) القراءة من جهة اخرى) [4] ، أي ان تحديد معنى النص انما يعتمد على محاور ثلاثة هي المتكلم واللغة والمخاطب، فالمتكلم يعرض
(1) ينظر: الدلالة السياقية عند اللغويين: 2.
(2) ينظر: دراسة المعنى:127 - 128.
(3) اصول السرخسي:1/ 163.
(4) مفهوم النص، دراسة في علوم القران (نصر حامد ابو زيد) : 178.