آخر من رسالته مستوى هذه المعرفة بقوله: (وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك) [1] .
وكذلك يرى السرخسي (إن تمام الفقه لا يكون إلا باجتماع ثلاثة أشياء: العلم بالمشروعات، والإتقان في معرفة ذلك بالوقوف على النصوص بمعانيها وضبط الأحوال بفروعها، ثم العمل بذلك) [2] ، ثم نستبين في موضع آخر من أصوله إن الوقوف على النصوص بمعانيها هو أمر (من باب اللسان، فطريق معرفته التأمل في كلام العرب وفي الأصول الموضوعة عند أهل اللغة) [3] ، وهذا التأمل إشارة إلى ضرورة انفراد نظرة الأصوليين إلى اللغة واستقرائهم كلام العرب.
إن تحصيل غاية الاجتهاد في الشريعة كان دافعا وراء انفراد نظرة الأصوليين للغة واستقلال بحوثهم اللغوية عن سابقيهم من علماء اللغة وكانت سببا وراء تطرفهم لكثير من الجوانب اللغوية التي لم يطرقها غيرهم (فان كان ثم علم لا يحصل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه فهو بلا بد مضطر إليه، لأنه إذا فرض كذلك لم يمكن في العادة الوصول إلى درجة الاجتهاد دونه، فلا بد من تحصيله على تمامه ... والأقرب في العلوم أن يكون هكذا علم اللغة العربية) [4] .
إن إدراك الأصوليين لأهمية الجانب اللغوي كسبيل لمعرفة طرق دلالة النص على ما يحمله من معنى وعلى هذه الشاكلة من مستوى الاطلاع دفعهم إلى البحث فيما يساعدهم على تناول معنى النص بمستوياته الثلاث، المعنى الحقيقي، أي ما وضع اللفظ بازائه أصالة، وهو ما يتكفل به علم المعجم، والمعنى الاستعمالي وهو استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي وهو من مهمة علم البيان. والمعنى الوظيفي وهو ما تؤديه الكلمة - بما لها من معنى حقيقي أو استعمالي في أثناء تركيبها مع
(1) المصدر نفسه: 511.
(2) أصول السرخسي: 1/ 10.
(3) المصدر نفسه: 1/ 200.
(4) الموافقات: 4/ 115.