وراء ذلك فعل شيء أو تركه، على نحو الإلزام بأحدهما أو التخيير، ليستنبطوا من ذلك أحكام الوجوب والحرمة أو الإباحة) [1] .
كما تناول الأصوليون الألفاظ المفردة متتبعين دلالتها منذ الوضع الأول، وما اعترى تلك الدلالة من تغير أو انتقال [2] .
ولما كانت عناية الأصوليين بمباحث الدلالة على هذا المستوى من سعة الاستقراء والشمول والتقعيد، فقد عد الأصوليون اكثر الطوائف الإسلامية عناية بمباحث الدلالة إذ توسعوا وكتبوا فيه الشيء الكثير وكانت عنايتهم في ذلك تفوق عناية اللغويين فضلا عما توصلوا إليه من نتائج اتفقت معها كثير من نتائج البحوث اللغوية الحديثة في علم اللغة بالإضافة إلى سبقهم الاهتمام بكثير من القضايا الدلالية التي لم تلق من المحدثين اهتماما كافيا بها [3] .
لقد حفلت مصنفات الأصوليين بإشارات كثيرة فرضت على الأصولي نمط وحجم الاطلاع والمعرفة بعلوم اللغة العربية، وكانت في كثير منها توكد ضرورة أن لا تقل معرفة الأصولي بهذه العلوم لا سيما الدلالة منها عن معرفة علماء اللغة أنفسهم وان تكون هذه المعرفة متأتية من استقراء كلام العرب وأحوال لسانهم بنفسه لا التابع أراء علماء اللغة دون علم ودراية بكيفية استخلاصها واستنتاجها [4] ، فدوره في ذلك دور عالم اللغة الأول ومهمته في ذلك مهمة من يسعى إلى الاجتهاد بالفقه عن طريق الاجتهاد باللغة. فالشافعي يرى انه (لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبهة التي دخلت على من جهل لسانها) [5] ، ويوضح في موضع
(1) البحث النحوي عند الأصوليين: 11.
(2) ينظر: التصور اللغوي عند الأصوليين: 111.
(3) ينظر: ابن قيم الجوزية جهوده في الدرس اللغوي: 171، ودراسة المعنى عند الأصوليين: 1.
(4) ينظر: البحث النحوي عند الأصوليين: 48 - 55.
(5) الرسالة: 50.