حنبل المتوفى 290هـ في كتابه السنة هذه القضية! ولا حتى الفقيه الحنبلي أبو بكر الخلال المتوفى 311 هـ في كتابه أيضًا المسمى بالسنة! هذه القضية! ولا حتى العلامة أبو بكر الآجري المتوفى 360هـ في كتابه الشريعة! قضية العدو القريب والعدو البعيد ولا حتى تفسيق أو تبديع المخالف! ولا حتى في لمعة الاعتقاد للفقيه الحنبلي الحافظ الموفق بن قدامة صاحب كتاب المغني المتوفى 620 هـ!! وهذه كتب شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى 728هـ (العقيدة الحموية/الواسطية/التدميرية/التحفة العراقية وغيرها) لم لم يذكر هذه القضية في كتب العقائد ولم يرد عنه أنه بدع أو فسق من بدء بقتال العدو البعيد! حتى الكتب المعاصرة كمعارج القبول للشيخ حافظ حكمي المتوفى 1377هـ لم يذكر هذه القضية في شرح سلم الوصول وهو يتناول عقيدة أهل السنة!
(د) : فأين توجد هذه القضية (العدو القريب والبعيد) في كتب الأقدمين! هذه المسألة تكلم عنها العلماء قديما وحديثًا في كتب التفسير وكتب السير عند تفسيرهم لقوله تعالى في محكم التنزيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ] التوبة:123[.
قال شيخ المفسرين الطبري المتوفى 310 هـ:) يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله قاتلوا من وليَكم من الكفار دون من بعُد منهم، يقول لهم: ابدءوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم دارًا دون الأبعد فالأبعد. وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ الروم، لأنهم كانوا سكان الشأم يومئذ، والشأم كانت أقرب إلى المدينة من العراق. فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد، فإن الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم ما لم يضطرّ إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام، فإن اضطرّوا إليهم لزم عونهم ونصرهم، لأن المسلمين يد على من سواهم. (أهـ(الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن/ دار الفكربيروت 1421هـ/ ج7 ص85، ص86) .
وقال الفخر الرازي: (اعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة، ثم إنها صارت منسوخة بقوله: قَاتَلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً { [التوبة: 36] ) ، وأما المحققون فإنهم أنكروا هذا النسخ وقالوا: (إنه تعالى لما أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح، وهو أن يبتدؤا من الأقرب فالأقرب، منتقلًا إلى الأبعد فالأبعد) .أهـ (طبعة دار الفكر بيروت 1401هـ ج16ص234) .
أقول: الشاهد مما سبق أن علماء المسلمين لم يبدعوا أو يفسقوا الحسن البصري لأنه خالفهم في رأيهم! ولم يتهمه أحد أنه خالف صريح القرآن وناقضه! لأن هذه مسألة اجتهادية فقد كانت متصورة في ظل دولة الخلافة الجامعة التي كانت تحمي بيضة الإسلام ولها حدود معروفة! وقد أشار صاحب كتاب مفاتيح الغيب إلى دار الإسلام بقوله: (أن دار الإسلام واسعة، فإذا اشتغل أهل كل بلد بقتال من يقرب منهم من الكفار كانت المؤنة أسهل، وحصول المقصود أيسر) أهـ (الرازي مفاتيح الغيب ج16 ص235) .